وجشعًا أو غضبًا وانتقامًا، ... من ذلك حديث فضل الهريسة الذي وضعه بائعها لترويج بضاعته. وحديث"من قاد أعمى أربعين خطوة وجبت له الجنة"، الذي وضعه محمد بن عبد الملك الأنصاري الأعمى.
وحديث"معلمو صبيانكم شراركم، أقلهم رحمة لليتيم وأغلظهم على المسكين"، وقد وضعه سعيد بن طريف عندما جاءه ابنه من الكتّاب يبكي لأن معلمه ضربه، فغضب سعيد وقال: أما والله لأخزينهم حدثني عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا ... وذكره.
انبرى جهابذة المحدثين لمحاربة الوضع وتتبع أخبار الوضاعين، وفحص أسانيد الأحاديث الموضوعة ومتونها واحدًا واحدًا، فكشفوا زيفها، متتبعين في ذلك أدق الوسائل العلمية، ومبتكرين أضبط القواعد المنهجية التي نالت إعجاب كل منصف، فقد قال مرجليوث:"ليفتخر المسلمون ما شاءوا بعلم حديثهم" [1] .
وقد قيل لعبد الله بن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: يعيش لها
الجهابذة، ثم قرأ: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [2] .
وقد أمر الرشيد بقتل زنديق فقال له:"أين أنت عن أربعة آلاف حديث وضعتها فيكم أحرم فيها الحلال وأحلل فيها الحرام، ما قال النبي منها حرفًا"، فقال له الرشيد:"أين أنت يا زنديق من عبد الله المبارك وأبي إسحق الفزاري ينخلانها نخلًا فيخرجانها حرفًا حرفًا" [3] .
ويمكن تلخيص الأسس المنهجية التي سار عليها المحدثون في حماية السنة من الدخيل وتنقيتها من شوائب الوضع والتحريف فيما يلي:
(1) انظر: مقدمة الجرح والتعديل ص: ب.
(2) الجرح والتعديل 1/ 3، والآية في سورة الحجر: (9) .
(3) تذكرة الحفاظ 1/ 273.