فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 320

ليحل محلها بالتدريج العقائد الصحيحة والعبادات المشروعة وأحكام المعاملات وفضائل الأخلاق والآداب، فكان لذلك أبعد الأثر في حسن تربية الصحابة واستقامتهم على الدين الجديد وسهولة حفظه وتطبيقه، وكان منهج"التخلية قبل التحلية"قد استمر ثلاثة وعشرين عاما بُني خلالها هذا الدين واكتمل متمشيا مع أحوال المسلمين، ملامسا قلوبهم ونفوسهم برحمة وحرص على نفعهم ودفع الضرر عنهم، فازدادوا تمسكا به وحرصا عليه، ولو كان الأمر دفعة واحدة لشق عليهم فهمه وحفظه والاستقامة عليه.

راعى النبي صلى الله عليه وسلم ما تحتاج إليه النفس البشرية من الاسترواح بين الحين والآخر، وكان يدرك بما علمه ربه عز وجل أن النفوس تمل والقلوب تكل بالمداومة على التعليم الجاد فتقل الفائدة، ويكد الذهن عن التحصيل، وقد يحصل نوع من الرغبة عن الخير، فكان يجمع في تعليمه بين الجدية والترويح، وبين الموعظة وتعليم الأحكام، كما كان ينقطع بعض الأيام عن تعليمهم، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخوّلنا بالموعظة مع الأيام كراهة السآمة"

علينا" [1] ، وهذا أنجع الأساليب في تثبيت المعلومة والتشجيع على تحصيلها برغبة نفس وانشراح صدر."

إن الكلام الذي لا يبلغ عقل السامع ولا يستطيع فهمه قد يسبب في فتنته وربما أتى بنقيض المقصود منه، ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخاطب سامعيه على قدر عقولهم وبحسب مستويات إدراكهم فيُفهّم البدوي الجافي بما يناسب طبعه، ويُفَهّم الحضري بما يلائم بيئته، ويكتفي بالإشارة إلى الألمعي الذكي، ويوجه بالعبارة من دونه، ويركز على الإقناع بالحوار المناسب للمدارك المتفاوتة، من ذلك ما رواه أبوهريرة قال:"جاء رجل من بني فزارة إلى النبي"

(1) مسند أحمد 5/ 202.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت