بل كان الحاضر منهم يحرص على تبليغ الغائب، قال البراء:"ليس كلنا كان يسمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ، فيحدث الشاهدُ الغائبَ" [1] .
كانت المذاكرة أحد آداب الصحابة الكرام لحفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا يسمعون الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يتذكرونه فور قيامهم من مجلسه حتى لا يتفلت، قال أنس رضي الله عنه:"كنا نكون عند النبي"
صلى الله عليه وسلم فنسمع منه الحديث، فإذا قمنا تذاكرناه فيما بيننا حتى نحفظه" [2] ."
لقد كثرت الوفود على النبي صلى الله عليه وسلم من آفاق جزيرة العرب للإسلام والتفقه في الدين، ثم العودة إلى أقوامهم معلمين، حتى سمي العام التاسع للهجرة عام الوفود، يحدوهم في ذلك قول الله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} [3] .
ومن أمثلة ذلك قول ابن الحويرث:"أتينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، فظن أنا اشتقنا إلى أهلنا، وسألنا عمن تركنا في أهلنا فأخبرناه، وكان رفيقا رحيما، فقال:"ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم ومروهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي، وإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، ثم ليؤمكم أكبركم" [4] ."
(1) المحدث الفاصل بين الراوى والواعى 32.
(2) الخطيب البغدادى في الجامع لأخلاق الرواى وآداب السامع 1/ 236.
(3) التوبة 122.
(4) البخاري مع الفتح 2/ 321 ح 631.