اللهم فاشهد، فليبلغ الشاهد منكم الغائب" [1] . وانطلقت الجموع الغفيرة إلى الآفاق بتلك الخطبة وبما سمعوه من أحاديثه الأخرى وما شاهدوه من أحواله وتصرفاته، فازدادت السنة شيوعا."
ما إن تسامع الناس بخبر الفتح ثم بحجة الوداع حتى تسابقت العرب من سائر أنحاء الجزيرة إلى الوفود على النبي صلى الله عليه وسلم ومبايعته على الإسلام والطاعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحب بهم ويبالغ في إكرامهم ويعطي لكل حظه من التعليم والتوجيه والإرشاد والعناية، وبعد إقامة كافية لتعلم ما يحتاجونه، تعود الوفود إلى قبائلها لتبليغ الدين ونشر سنة الرسول الأمين، وقد يرسل الرسول صلى الله عليه وسلم معهم توجيها مكتوبا أو أحد أصحابه معلما. ومن أشهر هذه الوفود وفد عبد القيس، ووفود بني حنيفة وطيء وكندة وهمذان وثعلبة وبني سعد وملوك حمير، وغيرها. وقد نقل الوفود إلى أقوامهم ما تعلموه من النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة بالمدينة، وما شاهدوه من صفة عبادته وأخلاقه وسائر أحواله.
بهذه العوامل وغيرها انتشرت سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الآفاق، وعمل بها المسلمون وحفظوها ودافعوا عنها وعلموها غيرهم، وانتشر الإسلام في الجزيرة العربية جميعها ودان له أهلها قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وحمل الناس الوحي من الكتاب والسنة والتزموهما، فلم يكن لهم مصدر في الحياة سواهما، واكتمل الدين وحفظه الله بحفظه، ولله الحمد والمنة.
(1) انظر: صحيح مسلم 3/ 1306، سيرة ابن هشام 4/ 276.