قال الخطيب البغدادي في توجيه مسلك عمر رضي الله عنه:"إن قال قائل: ما وجه إنكار عمر على الصحابة روايتهم وتشديده عليهم في ذلك؟."
-قيل له: إنما فعل عمر ذلك احتياطًا للدين وحسن نظر للمسلمين ...
-وفي تشديد عمر أيضا حفظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترهيب لمن لم يكن من الصحابة أن يدخل في السنن ما ليس منها، لأنه إذا رأى الصحابي المقبول القول، المشهور بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم قد تشدد عليه في روايته، كان هو أجدر أن يكون للرواية أهيب" [1] ."
قال الحافظ ابن عبد البر: [2] "احتج بعض من لا علم له ولا معرفة من أهل البدع وغيرهم الطاعنين في السنن بحديث عمر هذا وقوله:"أقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"وجعلوا ذلك ذريعة إلى الزهد في سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي لا يوصل إلى مراد كتاب الله إلا بها، والطعن على أهلها ولا حجة في هذا الحديث، ولا دليل على شيء مما ذهبوا إليه من وجوه قد ذكرها أهل العلم"، وبعد إيراد بعض الوجوه أورد حديثًا لعمر رضي الله عنه يقول فيه: إني أريد أن أقول مقالة قد قدر لي أن أقولها، من وعاها وعقلها وحفظها فليحدث بها حيث تنتهي راحلته، ومن خشي أن لايعيها فإني لا أحل له أن يكذب علي"."
قال ابن عبد البر:"وهذا يدل على أن نهيه عن الإكثار وأمره بالإقلال من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان خوف الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخوفا من أن يكونوا مع الإكثار يحدثون بما لم يتيقنوا حفظه ولم يعوه، لأن ضبط من قلت روايته أكثر من ضبط المستكثر، وهو أبعد من السهو والغلط الذي لا يؤمن مع الإكثار، فلهذا أمرهم عمر بالإقلال من الرواية، ولو كره الرواية وذمها لنهى عن الإقلال والإكثار .. فكيف يتوهم أحد"
(1) انظر شرف أصحاب الحديث 89، 90.
(2) جامع بيان العلم وفضله 2/ 121 - 124 باختصار.