فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 320

على عمر أنه يأمر بخلاف ما أمر به الله، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها"، والكلام في هذا أوضح من النهار لأولي النُّهى والاعتبار ... وهذا يدلك أنه إنما أمرهم بذلك خوف مواقعة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخوف الاشتغال عن تدبر السنن والقرآن لأن المكثر لا تكاد تراه إلا غير متدبر ولا متفقه.

ومما يدل على هذا ما ذكرناه فيما يروى عن عمر أنه كان يقول:"تعلموا السنة والفرائض واللحن كما تتعلمون القرآن"، وعمر هو الناشد للناس في غير موقف، بل في مواقف شتى: من عنده علم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كذا، وكيف يتوهم على عمر ما توهمه الذين ذكرنا قولهم وهو القائل:"إياكم والرأي، فإن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها"، وهو القائل:"سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله".

و الآثار كلها عن عمر صحيحة متفقة، ويخرج معناها على أن من شك في شيء تركه، ومن حفظ شيئا وأتقنه جاز له أن يحدث به، وإن كان الإكثار يحمل الإنسان على التقحم في أن يحدث بكل ماسمع من جيد ورديء وغث وسمين، وقد قال

رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كفي بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع" [1] .

وما ذكره الخطيب البغدادي وما انتهى إليه الحافظ ابن عبد البر في هذه المسألة هو الحق الذي لا محيد عنه، فقد حمل لواء المحافظة والحرص على السنة الصحابة كافة مع تميز عمر رضي الله عنه في هذا الباب لأن موقعه من حيث هو أمير للمؤمنين يتطلب الإحساس بمزيد من المسؤولية والمتابعة، وقد تبين لنا من مروياته وما أثر عنه شدة اهتمامه بالسنة المطهرة وإجلاله لها وحرصه على

(1) سنن أبى داود 5/ 265 - 266 ح 4992.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت