فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 320

نقاوتها، وكل ما ورد عنه إنما يخدم هذه الغاية، ويدل على المحافظة على السنة ونشرها وتبليغها صحيحة متقنة، ولا يتيسر ذلك ما لم يتثبت حاملوها من مروياتهم، وإن الإقلال من الرواية مظنة عدم الوقوع في الخطأ وقطع للطريق أمام الجاهل والمغرض وغير المتقن، ولهذا أمر به عمر رضي الله عنه.

أما ما روي من أن عمر رضي الله عنه قد حبس بعض الصحابة لأنهم أكثروا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم [1] فإن سنده ليس بصحيح، ذكر ذلك ابن حزم وغيره، كما أنه معلول بالاضطراب في تسمية الصحابة المزعوم حبسهم بالإضافة إلى أن عمر رضي الله عنه لم يكن له حبس، ولو سلمنا جدلا بوقوع ذلك فإن المقصود بالحبس المنع من الرواية لحين التثبت في بعض ما بلغه عنهم، يؤيد ذلك ما أخرجه الرامهرمزي أن عمر بن الخطاب حبس بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم ابن مسعود وأبو الدرداء، فقال:"قد أكثرتم الحديث عن رسول الله صلى عليه وسلم"، قال أبو عبد الله بن البري شيخ الرامهرمزي: يعني منعهم الحديث ولم يكن لعمر حبس، أي منعهم الإكثار من الحديث.

وقد يكون المراد استبقاهم عنده بالمدينة حتى يتثبت فيما بلغه عنهم، كما في رواية الخطيب البغدادي:"بعث عمر بن الخطاب إلى عبد الله بن مسعود وإلى أبي الدرداء وإلى أبي مسعود الأنصاري فقال: ما هذا الحديث الذي تكثرون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فحبسهم بالمدينة حتى استشهد"، فإذا صحَّ أصل الخبر فإنه يكون من باب تثبت عمر رضي الله عنه في الحديث وحرصه على نقاوته.

كما أن أصل الخبر يتناقض مع حال عمر نفسه فهو روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من خمسمائة حديث، كما أن بعض الصحابة غير المذكورين في رواية الحبس كانوا أكثر حديثا من هؤلاء، ولم يرد شيء في شأنهم،

(1) انظر في هذه الرواية ونقدها: تذكرة الحفاظ 1/ 7، الإحكام لابن حزم 2/ 239، السنة قبل التدوين 106 - 110 شرف أصحاب الحديث 97.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت