كان الصحابة يتلقون سنة النبي صلى الله عليه وسلم لتطبيقها، فكانوا يحملون همّ العمل أكثر من حملهم همّ العلم، ولهذا كانوا متجاوبين مع تدرج النبي صلى الله عليه وسلم في تعليمهم وتربيتهم، فيحفظون شيئا من القرآن والسنة، ثم يفهمونه ويعلمون فقهه ثم يطبقونه، ثم يحفظون غيره، قال أبو عبد الرحمن السلمي:"حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن: كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهم أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا" [1] .
قام عدد من الصحابة بكتابة ما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم بغرض
حفظه أو تعليمه أو إرساله إلى من يستفيد منه، من ذلك: الصحيفة الصادقة لعبد الله ابن عمرو، وكتاب سعد بن عبادة، وكتاب معاذ بن جبل، وكتاب عبد الله بن مسعود، وكتاب أبي رافع، وصحيفة على بن أبي طالب رضي الله عنهم، وسيأتي مزيد بيان لهذا في مبحث كتابة السنة.
تلك كانت أساسيات منهج الصحابة في تلقي السنة عن النبي صلى الله
عليه وسلم، وهي واضحة الدلالة على أنه لم يغب عن مجموعهم شيء من هدي النبي
صلى الله عليه وسلم، فقد لازموه في كل أحواله وترصدوا جليل أموره ودقيقها بإيمان صادق ورغبة جامحة في الاهتداء والاستقامة، فحفظوا عنه أقواله وأفعاله وأحواله في نومه ويقظته وحركته وسكونه وقيامه وقعوده، واجتهاده وعبادته، وسيرته وسراياه ومغازيه، ومزاحه وأمره ونهيه، وأكله وشربه، وخطبه وعهوده ومواثيقه، وكتبه إلى المسلمين والمشركين، وفتاواه وقضائه، وعهوده ومواثيقه، ومعاملته أهله وأصحابه، وتصرفاته مع أعدائه ونصائحه ومواعظه وتوجيهاته
(1) انظر المدخل لدراسة القرآن الكريم 24.