يعرض لهم من الخصومات ويفتيهم فيما يستجد لهم من الحوادث ويعلمهم القرآن والسنة.
وقد ازداد عدد البعوث بعد صلح الحديبية، ففي يوم واحد انطلق ستة نفر إلى جهات مختلفة يتكلم كل منهم بلسان القوم الذين بعث إليهم، وركز النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذه المرحلة على مراسلة ملوك عصره، فقد وجه رسله بكتبه إلى قيصر الروم، والنجاشي ملك الحبشة، وكسرى ملك الفرس، والمقوقس أمير مصر، وأمير بصرى، وأمير دمشق، وأمير اليمامة، وغيرهم.
وكان لهذه البعوث والكتب المرسلة معها أبلغ الأثر في نشر علوم الكتاب والسنة وهداية الناس بإذن الله" [1] ."
لما نقض كفار قريش عهدهم في صلح الحديبية في السنة الثامنة للهجرة، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم القبائل المسلمة أن تصوم شهر رمضان معه في المدينة المنورة، ثم خرج بهم إلى مكة في عشرة آلاف مجاهد، ففتحها الله له وطهرها من الأصنام، وعفا النبي صلى الله عليه وسلم عن أعدائه الذين طالما آذوه واضطهدوا أصحابه، فتسابقوا إلى دين الله أفواجا، وأقبلوا على التفقه في الدين، فاتسعت مساحة نشر السنة، ونقلت مع خبر الفتح إلى الآفاق، وازداد إقبال الناس على الدين بعد أن هوت رموز الكفر والطغيان وتحطم صرحه، فانشرحت صدورهم للإيمان وأدركوا ضرورة الالتحاق بركبه.
أعلن النبي صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة للهجرة أنه حاج فتناقل الناس ذلك وأسرعوا في الوفود على المدينة ومكة للحج مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من معه في رحلته يرصدون كل أقواله وأحواله ويحفظونها ويسألونه عن أمور دينهم، وفي يوم عرفة خطب فيهم خطبته الجامعة الشهيرة، وكانوا يومئذ حوالي مائة ألف، وأمرهم في نهايتها بالتبليغ عنه فقال:"ألا هل بلغت؟"
(1) للتوسع في أخبار رسل النبى صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء راجع: المصباح المضئ للأنصارى 60 - 114.