وهي المبينة للقرآن الكريم، تفصيلا لمجمله، وتوضيحا لمبهمه، وشرحا لغامضه، وتخصيصا لعامّه وتقييدا لمطلقه، وردا لما تشابه منه إلى مُحْكَمِه بالإضافة إلى ما تفردت به من التشريعات الكثيرة التي لم ينص عليها القرآن الكريم ولا غرابة في ذلك فهي مثله وحي من الله تعالى.
إن تلك المكانة العظيمة للسنة في هذا الدين جعلت أهل العلم يجمعون انطلاقا من الأدلة على أن الاشتغال بطلبها من أعظم القربات، وأفضل ما صرفت فيه الأموال والأوقات، لارتباط أمر السنة بأصول الاعتقاد وعدم اعتباره من الفروع الفقهيات، ولذلك فإن الزلل في شأنها خطير، والعمل لتصحيح الاعتقاد حولها واجب، ومن هنا لزم طالب العلم تبين تلك المكانة بالأدلة، للقطع بأن السنة وحي من عند الله وأنها حجة شرعية يجب اتباعها، وأنها مصدر للعقيدة والشريعة والأخلاق والآداب والفضائل والمعارف، كما عليه أن يعلم المراحل التي مرت بها السنة وتفاني أهل العلم في خدمتها ووضع الضوابط لحمايتها منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف تم نقلها في غاية الدقة والحيطة محفوظة في الصدور ومكتوبة في السطور.
وتعتبر هذه المادة (حجية السنة وتاريخها) مدخلا ضروريا ومقررا تأسيسيا يبنى عليه ما يأتي بعده من مقررات محور السنة وعلومها، ويحتاج إليه كل مسلم لتصحيح معتقده، وتقوية يقينه، والتزامه بدينه، ومقدرته على المنافحة عنه في المعترك الفكري الخطير في هذا العصر، حيث جعلت السنة وكثير من ثوابت الدين غرضًا يحرص على النيل منه كثير من الجهلة والمغرضين {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون} [1] ، ولن يعدم هذا العصر بإذن الله - كما لم يعدم ما سبقه
بفضل الله - من علماء مخلصين أكفاء أمناء يذودون عن حمى الشريعة الغراء، ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، وقد اشتكى أحد تلاميذ عبد الله ابن المبارك جهود الزنادقة في وضع الحديث وإفساد السنة، فقال له ابن المبارك: يعيش لها الجهابذة، ثم قرأ قول الله تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنّا
(1) الصف: (8) .