إن الموقع الذي يجتمع فيه المعلم بالطلاب في غاية الأهمية لحسن سير العملية التعليمية، ولهذا فقد اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم منذ فجر الدعوة مقرا يجتمع فيه بالصحابة الكرام، ويعلمهم أسس العقيدة، ويحفّظهم ما يتنزل عليه من الوحي قرآنا وسنة، ففي عهد سرية الدعوة كان النبي صلى الله عليه وسلم يلتقي بالمسلمين الأوائل في دار الأرقم بعيدا عن أعين المشركين وأذاهم، ثم أضحى منزله بمكة ندوة للمسلمين ومعهدهم الذي ينهلون فيه من القرآن والحديث، ولما انتقل إلى المدينة المنورة أصبح المسجد هو المكان المعهود للتربية والتعليم والتوجيه والقضاء والفتوى وتعلم صفة العبادة الشرعية والأخلاق والآداب الإسلامية.
ولم يقتصر الأمر على ذلك عندما قويت شوكة الإسلام وأضحى للمسلمين دولتهم، فلم يكن التعليم مقصورا على مكان معين أو مناسبة محددة بل كان النبي
صلى الله عليه وسلم يفقه أصحابه ويوجههم في كل حين وآن، في الطريق وفي المنازل وفي الأسواق، وحال إقامته وسفره، وحال السلم والحرب.
وكان الصحابة الكرام يتسابقون لحضور مجالس النبي صلى الله عليه وسلم ينهلون بنهم من معينه الصافي، ولا يكادون يفارقونه، فكانوا إذا صلوا الغداة قعدوا حوله يقرءون القرآن ويتعلمون الفرائض والسنن [1] ، فكان حفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم متمشيا جنبا إلى جنب مع حفظ القرآن الكريم ويزيده رسوخا مسارعة الصحابة إلى العمل والتطبيق، فكان حرصهم على الاستقامة على دين الله مثل حرصهم على حفظ ما يصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم، حامدين الله تعالى أن أنقذهم به من ظلمات الكفر وضلالات الجهالة.
لقد تدرج الوحي قرآنا وسنّة في تعليم الصحابة من حيث انتزاع العقائد الفاسدة والعادات الضارة ومحاربة المنكرات التي كان عليها الناس في الجاهلية،
(1) انظر: مجمع الزوائد 1/ 132.