كانت فتوحات إفريقية والمغرب والأندلس التي انتهت سنة 93، وفي الشرق وصلت الفتوحات إلى مشارف بلاد الصين سنة 97 هـ.
و لم يكن الفاتحون غزاة متوحشين، بل كانوا حملة رسالة هادين مهتدين، غرضهم إنقاذ الناس بإذن الله من النار باعتناق دين الإسلام العظيم وتوحيد الله رب العالمين.
وكان الصحابة - حملة الأمانة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم- هم قادة جيوش الفتح وطلائعها، فكلما دخلوا بلدا بنوا فيه المساجد، وأقام فيه بعضهم لتعهد المسلمين بالرعاية ولنشر الدعوة بين من لم يسلم، وكان الخلفاء يوجهون العلماء إلى كل البلاد لنشر علوم الكتاب والسنة فاستوطن كثير من الصحابة والتابعين بلادا نائية عن جزيرة العرب، وماتوا بها ودفنوا في أرضها ونسبوا إليها.
وعندما يشاهد أهل البلاد المفتوحة ما عليه الصحابة الكرام من التواضع والإحسان والعدل فإنهم يدركون أنهم أمام نوعية جديدة من الناس هذبها الإسلام ورباها نبيه صلى الله عليه وسلم فيتسابقون إلى دين الله طائعين ويلتفون حول الصحابة
متعلمين، وقد برز منهم بعد ذلك علماء أفذاذ تخرجوا على أيدي الصحابة والتابعين، وكان لهم إسهامهم الوافر في خدمة علوم الإسلام.
ولم تلبث حواضر العالم الإسلامي المفتوحة، بل ومدنه الصغيرة أن أصبحت مراكز علمية يحتشد فيها الطلاب للتعلم، وكادت تنافس في ذلك مراكز العلم الأساسية التي أمدت هذه الأقطار بالعلماء، ولا يخفي أن انتشار العلم يقاس بكثرة مراكزه وأساتذته وطلابه، وفيما يلي بيان ذلك باختصار:
يشهد التاريخ لمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم أنها كانت أقوى المراكز العلمية في بلاد الإسلام على الإطلاق، عاش فيها الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم ولاحظ المسلمون كل تصرفاته وأحواله، وبها نزل القسم الأكبر من القرآن، وفيها تمهد أمر التشريع في جوانب العبادات والمعاملات وفي الحرب والسلم، وقد حرص الصحابة على مجاورة النبي صلى الله عليه وسلم وملازمته