وألفاظه، وقد عانوا مشاق الرحلة محتسبين الأجر عند المولى عز وجل، ونماذج ذلك لا تحصى كثرة، منها:
1 -عن المؤمل بن إسماعيل أنه ذكر عنده الحديث الذي يروى عن أُبيّ عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل القرآن، فقال:"لقد حدثني رجل ثقة- سماه- قال: أتيت المدائن فلقيت الرجل الذي يروي هذا الحديث، فقلت له حدثني، فقال: الرجل الذي سمعنا منه هو بواسط."
قال: فأتيت واسطا فلقيت الشيخ، فقلت: إني كنت بالمدائن فدلني عليك
الشيخ، قال: إن هذا الذي سمعت منه هو بالكلاء.
قال: فأتيت البصرة فلقيت الشيخ بالكلاء، فقلت له حدثني، فقال: إن الشيخ الذي سمعت منه هو بعبادان.
قال: فأتيت عبادان فلقيت الشيخ، فقلت له: اتق الله ما حال هذا الحديث؟ أتيت المدائن- فقصصت عليه- ثم واسطا، ثم البصرة فَدُللت عليك، وما ظننت إلا أن هؤلاء كلهم قد ماتوا، فأخبرني بقصة هذا الحديث.
فقال: إنا اجتمعنا هنا فرأينا الناس قد رغبوا عن القرآن، وزهدوا فيه، وأخذوا في هذه الأحاديث، فقعدنا فوضعنا لهم هذه الفضائل حتى يرغبوا فيها" [1] , وهكذا أثمرت هذه الرحلة الطويلة بيان زيف هذا الحديث."
2 -الهيثم بن جميل البغدادي (ت 213) : كان كثير الارتحال في طلب الحديث، روي عنه أنه أفلس في طلب الحديث مرتين [2] .
3 -يعقوب بن سفيان الفسوي (ت 277) : رحل في طلب الحديث إلى الآفاق، وقال:"كتبت عن ألف شيخ وكسر كلهم ثقات، وقمت في الرحلة ثلاثين سنة"، وقال أبو زرعة الدمشقي:"قدم علينا رجلان من نبلاء الناس، أحدهما وأرحلهما يعقوب بن سفيان، يعجز أهل العراق أن يروا مثله"، وقال عن نفسه:"كنت في رحلتي فقلَّت نفقتي، فكنت أدمن الكتابة ليلا، وأقرأ نهارا."
(1) الكفاية 401، تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة 1/ 285.
(2) انظر: تهذيب التهذيب 11/ 90.