ومن هنا ينبغي التنبيه إلى أن ما يرد في كثير من المصادر من نسبة تعريف الفقهاء للسنة بأنها النافلة أو ما يقابل الفريضة هو قول غير محرر وتعميم يحتاج إلى تفصيل وتحديد، اعتُمد فيه نقل اللاحق عن السابق بلا بحث أو إعمال نظر، والمفترض التنصيص على أن من عرف السنة من الفقهاء بأنها"ما دل عليه الشرع من غير افتراض ولا وجوب"إنما قصدوا اصطلاحا خاصا يميز بين الفرض والنفل، ولم يقصدوا إلى تعريف السنة التي هي مصدر للدين، فيجب التنبه إلى الموضع الذي تبحث فيه المسألة للتفريق بين الأمرين [1] .
أما الجانب الثاني الذي يعنى به الفقيه فهو البحث عن حكم الشرع على أفعال العباد، وأعظم ذلك ما كان متعلقًا بطلب الفعل وهو الوجوب والندب، وهنا نجد أكثر الفقهاء قد عبروا بالسنة عما ندب إليه الشرع ورغب فيه، للتمييز بينه وبين ما أوجبه، فالسنة المرادة هنا هي أحد الأحكام التكليفية الخمسة، وليس المراد بها السنة التي هي مصدر تلك الأحكام، ويمكن الاستئناس لاستخدام السنة حكما شرعيا مقابل الفرض بنحو قوله صلى الله عليه وسلم"إن الله عز وجل فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم قيامه" [2] ، ويؤيده فهم التابعي مكحول الشامي الذي قال:"السنة سنتان: سنة الأخذ بها فريضة وتركها كفر، وسنة الأخذ بها فضيلة وتركها إلى غيرها حرج" [3] ، ومن أشهر تعريفات السنة الواردة للفقهاء في هذا الباب أنها:
-"ما دل عليه الشرع من غير افتراض ولا وجوب". وهذا التعريف استخدمه أكثر من مذهب.
-"ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه". أو"ما يحمد فاعله ولا يذم تاركه"، وهذا من تعريفات الحنابلة والمغاربة من المالكية.
-"الفعل المطلوب طلبا غير جازم"، وهذا من تعريفات الشافعية، والمشارقة من المالكية.
(1) وانظر حجية السنة 59، 60.
(2) مسند الإمام أحمد 1/ 191.
(3) سنن الدارمى 1/ 145.