وأنّى لهم
ذلك، فراحوا يؤولون آيات الكتاب بما تمليه أهواؤهم، ووضعوا الأحاديث وكذبوا على النبي صلى الله عليه وسلم لتأييد آرائهم، وقام مخالفوهم بالرد عليهم بمثل ذلك، فنشطت جريمة الوضع، وازداد نموها مع ظهور المزيد من الفرق، فوضعت الأحاديث في فضائل ومثالب الأشخاص من رؤساء الفرق وزعماء الأحزاب، وفي فضائل البلدان، وفي دعم الآراء والأفكار العقائدية والسياسية، بل تعدى الأمر إلى وضع أحاديث في كثير من أبواب الفقه من العبادات والمعاملات والأطعمة والرقائق وغيرها، وقد تتبع جهابذة النقاد جميع ذلك وبينوا زيفه، وجمعوه في مصنفات كثيرة، منها ما صنف على الأبواب الفقهية، ومنها ما هو على أوائل الحروف، وحافظت السنة بحفظ الله لها على نقاوتها ولم يخالطها شيء من غيرها على سبيل الاستمرار بحمد الله تعالى، كما قرر ذلك الحافظ ابن حزم وغيره، ولله الفضل والمنة.
ومما تجب الإشارة إليه في هذا المدخل براءة الصحابة من هذه الجريمة النكراء لأن بعض المتحذلقين من المستشرقين يحاول الضرب على هذا الوتر ليغرر بجهلة المسلمين وليطعن على السنة بالطعن على حملتها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نسي هؤلاء أو تناسوا أن عدالة الصحابة نزل بها الوحي من السماء فأنى يستطيع أهل الأرض التلبيس عليها، كما أغفل هؤلاء عن جهل أو إغراض ذكر ما عرف عن الصحابة من محبة السنة والحرص عليها والذود عن حماها والخوف من الخطأ في الحرف والكلمة الصادرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فكيف يتصور بعد هذا منصف أنهم قد يتجرأون على الوضع في الحديث.
وقد ساق الخطيب البغدادي حشدًا من الآيات والأحاديث الدالة على تعديل الصحابة رضوان الله عليهم ثم قال:"وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة والقطع على تعديلهم ونزاهتهم، فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله تعالى لهم المطلع على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلق لهم، على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله فيهم شيء لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد"