فهرس الكتاب

الصفحة 271 من 320

عناية المقلدين بأقوال متبوعيهم، فكما أن العلم بالتواتر ينقسم إلى عام وخاص، فيتواتر عند الخاصة ما لا يكون

معلوما لغيرهم، فضلا أن يتواتر عندهم، فأهل الحديث لشدة عنايتهم بسنة نبيهم، وضبطهم لأقواله وأفعاله وأحواله يعلمون من ذلك علما لا يشكون فيه مما لا شعور لغيرهم به" [1] ."

وبهذا يعلم أن ما شاع لدى المتأخرين من الجزم بأن خبر الآحاد لا يفيد إلا الظن مطلقا قول مستحدث مرجوح مخالف لما أجمع عليه السلف، ومخالف لما قرره المحققون من العلماء الحفاظ وأهل الاختصاص، وأنه قول يرتكز على التقليد لا على التحقيق، كما هو واضح من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.

ونبه ابن القيم على فساد قياس الخبر الشرعي على الأخبار الأخرى في إفادة العلم فقال:"وإنما أتي منكر إفادة خبر الواحد العلم من جهة القياس الفاسد، فإنه قاس المخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرع عام للأمة، أو بصفة من صفات الرب تعالى على خبر الشاهد على قضية معينة، ويا بعد ما بينهما! فإن المخبر عن رسول الله"

صلى الله عليه وسلم لو قدر أنه كذب عمدًا أو خطأ، ولم يظهر مايدل على كذبه لزم من ذلك إضلال الخلق، إذ الكلام في الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول، وعملت بموجبه، وأثبتت به صفات الرب وأفعاله، فإن ما يجب قبوله شرعًا من الأخبار لا يكون باطلًا في نفس الأمر، لاسيما إذا قبلته الأمة كلها، وهكذا يجب أن يقال في كل دليل يجب اتباعه شرعًا، لا يكون إلا حقًا، فيكون مدلوله ثابتًا في نفس الأمر، هذا فيما نُخْبَر به عن شرع الرب تعالى وأسمائه وصفاته، بخلاف الشهادة المعينة على مشهود عليه معين، فهذه قد لا يكون مقتضاها ثابتًًا في نفس الأمر.

(1) مختصر الصواعق المرسلة 2/ 373.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت