فقد استدلوا بقوله تعالى في المشركين: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس} [1] ، وقوله: {إن الظن لا يغني من الحق شيئًا} [2] .
وفات هؤلاء أن الظن المذكور هنا والذي ذمه الله تعالى، والذي هو صنيع المشركين ليس هو الظن الغالب الذي يفيده خبر الآحاد- على قولهم- وإنما هو الشك والخرص والحزر والتخمين، كما جاء في كتب اللغة، ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: {إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} [3] .
ولوكان الظن المنعي على المشركين في هذه الآيات هو الظن الذي يفيده خبر الآحاد كما زعم أولئك لم يجز الأخذ به في الأحكام أيضا، وذلك لسببين:
أولهما: إن الله تعالى قد أنكره على المشركين إنكارا مطلقا، دون تخصيص له بالعقيدة أو الأحكام.
الثاني: إن الله تعالى قد نص على أن الظن الذي أنكره على المشركين يشمل العقيدة والأحكام جميعا، ذلكم قوله سبحانه [4] : {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا (فهذا عقيدة) ولا حرمنا من شيء (وهذا من الأحكام) كذلك كذب الذين من قبلكم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون} .
وبهذا يتأكد أن الظن الذي لا يجوز الأخذ به مطلقا هو الظن اللغوي المرادف للشك والتخمين والتخرص والقول بغير علم، وأنه يحرم اعتباره في العقائد والأحكام جميعا.
كل هذا على سبيل التنزل مع الخصم، وإلا فالصحيح الذي عليه إجماع السلف ومن يعتد به من العلماء أن أحاديث الآحاد التي تلقتها الأمة بالقبول تفيد
(1) النجم: (23) .
(2) النجم: (28) .
(3) الأنعام: (116) .
(4) الأنعام: (148) .