حكم يناقضه، لأن الوحي لا يتركه بلا تعقيب إذا كان ما صدر عنه خلاف مراد الله، وقد علمنا ذلك بتعقيبه عليه فيما صار فيه إلى خلاف الأولى كما سيأتي في النوع الثاني، كما علمناه بيقيننا أنه لا يقر على ما لم يرضه الله دينا لعباده، قال تعالى: {ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين} [1] .
فهذا التقرير المصاحب لهذا النوع الأول يدلنا على صحته وحقيقته ومطابقته
لمراد الله، بل لم يقتصر الأمر على هذا التقرير فحسب، فإن الله تعالى قد أمرنا باتباعه في جميع مايصدر عنه وما يهدي إليه وأنه القدوة المطلقة والمثل الأعلى والهادي المسدد بالوحي. قال الإمام الشافعي:"وما لم يكن فيه وحي فقد فرض الله في الوحي اتباع سنته صلى الله عليه وسلم فمن قبل عنه فإنما قبل بفرض الله، قال الله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [2] . واحتج عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بالآية نفسها، وقال:"إن من قبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكتاب الله
قبل، فإن حكمه في وجوب اتباعه حكم ما ورد به الكتاب" [3] . وخلاصة الأمر في هذا النوع أن له منزلة الوحي وحكمه لإقرار الوحي له، فيجب العمل به والتزامه، ولن يتخلى الوحي أبدا عن تسديد الرسول صلى الله عليه سلم."
2 -النوع الثاني من هذا القسم: أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد صار في اجتهاده أو ما صدر عنه ابتداء إلى خلاف الأولى فيرشده المولى وينبهه إلى الأولى ويأمره باتباعه، وحينئذ يجب العمل بالبديل الموحي به وترك خلاف الأولى، فيكون الاحتجاج في هذه الحال بعدم التقرير عليه وبالتنبيه الذي جاء عقبه، والأمثلة على ذلك قليلة منها:
-اجتهاده صلى الله عليه وسلم في قبول الفداء من أسرى بدر بعد
(1) الحاقة: (44 - 47) .
(2) الحشر: (7) .
(3) مفتاح الجنة للسيوطى 19.