فهرس الكتاب

الصفحة 1642 من 2471

وَصِفَةُ الضَّرْبِ أَنْ يَكُونَ سَوْطًا بَيْنَ السَّوْطَيْنِ، وَضَرْبًا بَيْنَ الضَّرْبَيْنِ، وَتَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْحُدُودُ كُلُّهَا.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا سَوَاءٌ بَيْنَ الْحُدُودِ، ضَرْبُ الزَّانِي أَشَدُّ مِنْ ضَرْبِ الْقَذْفِ، وَضَرْبُ الْقَذْفِ أَشَدُّ مِنْ ضَرْبِ الشُّرْبِ، وَكَأَنَّهُمْ نَظَرُوا صُورَةَ الذَّنْبِ، فَرَكَّبُوا عَلَيْهِ صِفَةَ1 الْعُقُوبَةِ، وَالشُّرْبُ أَخَفُّ مِنَ القَذْفِ، وَالْقَذْفُ أَخَفُّ مِنَ الزِّنَا؛ فَحَمَلُوهُ عَلَيْهِ وَقَرَنُوهُ بِهِ.

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ أَصَابَ حَدًّا، وَأُتِيَ بِسَوْطٍ شَدِيدٍ2، فَقَالَ:"دُونَ هَذَا". وَأُتِيَ بِسَوْطٍ دُونَهُ، فَقَالَ:"فَوْقَ3 هَذَا".

وَأَمَرَ عُمَرُ بِرَجُلٍ يَضْرِبُ الْحَدَّ، فَقَالَ لَهُ: لَا تَرْفَعْ إبِطَكَ. وَعَنْهُ: أَنَّهُ اخْتَارَ سَوْطًا بَيْنَ السَّوْطَيْنِ. وَيُفَرَّقُ عَلَيْهِ الضَّرْبُ فِي ظَهْرِهِ، وَتُجْتَنَبُ مَقَاتِلُهُ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ.

وَهَذَا مَا لَمْ يَتَتَابَعْ النَّاسُ فِي4 الشَّرِّ، وَلَا احْلَوْلَتْ لَهُمْ الْمَعَاصِي، حَتَّى يَتَّخِذُوهَا ضَرَاوَةً، وَيَعْطِفُ النَّاسُ عَلَيْهِمْ بِالْهَوَادَةِ، فَلَا يَتَنَاهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ؛ فَحِينَئِذٍ تَتَعَيَّنُ الشِّدَّةُ، وَيَزِيدُ الْحَدُّ، لِأَجْلِ زِيَادَةِ الذَّنْبِ.

وَقَدْ أُتِيَ5 عُمَرُ بِسَكْرَانٍ فِي رَمَضَانَ، فَضَرَبَهُ مِائَةً: ثَمَانِينَ حَدُّ الْخَمْرِ، وَعِشْرِينَ لِهَتْكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ؛ فَهَكَذَا يَجِبُ أَنْ تَتَرَكَّبَ الْعُقُوبَاتُ عَلَى تَغْلِيظِ الْجِنَايَاتِ، وَهَتْكِ الْحُرُمَاتِ.

وَقَدْ لَعِبَ رَجُلٌ بِصَبِيٍّ، فَضَرَبَهُ الْوَالِي ثَلَاثَمِائَةِ سَوْطٍ، فَلَمْ يُغَيِّرْ ذَلِكَ مَالِكًا حِينَ بَلَغَهُ، فَكَيْفَ لَوْ رَأَى زَمَانَنَا هَذَا بِهَتْكِ الْحُرُمَاتِ وَالِاسْتِهْتَارِ6 بِالْمَعَاصِي، وَالتَّظَاهُرِ بِالْمَنَاكِرِ، وَبَيْعِ الْحُدُودِ، وَاسْتِيفَاءِ الْعَبِيدِ لَهَا فِي مَنْصِبِ الْقُضَاةِ؟ ؛ لَمَاتَ كَمِدًا، وَلَمْ يُجَالِسْ أَحَدًا؛ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: قَوْله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ} .

وَفِقْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَدَّ الْمَحْدُودَ، وَمَنْ شَهِدَهُ وَحَضَرَهُ يَتَّعِظُ بِهِ وَيَزْدَجِرُ لِأَجْلِهِ، وَيَشِيعُ حَدِيثُهُ؛ فَيَعْتَبِرُ بِهِ مَنْ بَعْدَهُ.

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: وَاخْتُلِفَ فِي تَحْدِيدِ الطَّائِفَةِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ:

1 في م: صرة العقوبة.

2 في م: جديد.

3 من م.

4 في م: على الشر.

5 في م: ابن عمر.

6 في م: والإستار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت