فهرس الكتاب

الصفحة 2087 من 2471

الثَّالِثُ: أَنَّهَا مُحَكَّمَةٌ بَعْدَ الْإِثْخَانِ؛ قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، لِقَوْلِهِ: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} [الأنفال: 67] .

وَالتَّحْقِيقُ الصَّحِيحُ1 أَنَّهَا مُحَكَّمَةٌ فِي الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي.

المسألة الثَّامِنَةُ: فِي التَّنْقِيحِ:

اعْلَمُوا وَفَّقَكُمُ اللَّهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْآيَاتِ وَمُحْكَمَاتِهَا؛ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِيهَا بِالْقِتَالِ، وَبَيَّنَ كَيْفِيَّتَهُ كَمَا بَيَّنَهُ فِي قَوْله تَعَالَى: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12] حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْأَنْفَالِ؛ فَإِذَا تَمَكَّنَ الْمُسْلِمُ مِنْ عُنُقِ الْكَافِرِ أَجْهَزَ عَلَيْهِ، وَإِذَا تَمَكَّنَ مِنْ ضَرْبِ يَدِهِ الَّتِي يَدْفَعُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَيَتَنَاوَلُ بِهَا قِتَالَ غَيْرِهِ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ إلَّا ضَرَبَ2 فَرَسَهُ الَّتِي يَتَوَصَّلُ بِهَا إلَى مُرَادِهِ فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ رَاجِلًا مِثْلَهُ أَوْ دُونَهُ، فَإِنْ كَانَ فَوْقَهُ قَصْدَ مُسَاوَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ قَصْدَ حَطِّهِ، وَالْمَطْلُوبُ نَفْسُهُ، وَالْمَآلُ إعْلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمَّا أَمَرَ بِالْقِتَالِ أَوَّلًا، وَعَلِمَ أَنْ سَتَبْلُغُ إلَى الْإِثْخَانِ وَالْغَلَبَةِ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ حُكْمَ الْغَلَبَةِ بِشَدِّ الْوَثَاقِ، فَيَتَخَيَّرُ حِينَئِذٍ الْمُسْلِمُونَ بَيْنَ الْمَنِّ وَالْفِدَاءِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّمَا لَهُمُ القَتْلُ وَالِاسْتِرْقَاقُ؛ وَهَذِهِ الْآيَةُ عِنْدَهُ مَنْسُوخَةٌ.

وَالصَّحِيحُ إحْكَامُهَا؛ فَإِنَّ شُرُوطَ النَّسْخِ مَعْدُومَةٌ فِيهَا مِنَ المُعَارَضَةِ، وَتَحْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ مِنَ المُتَأَخِّرِ، وَقَوْلُهُ: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأنفال: 57] ؛ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ التَّشْرِيدَ قَدْ يَكُونُ بِالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ وَالْقَتْلِ، فَإِنَّ طَوْقَ الْمَنِّ يُثْقِلُ أَعْنَاقَ الرِّجَالِ، وَيَذْهَبُ بِنَفَاسَةِ نُفُوسِهِمْ، وَالْفِدَاءُ يُجْحِفُ بِأَمْوَالِهِمْ؛ وَلَمْ يَزَلْ الْعَبَّاسُ تَحْتَ ثِقَلِ فِدَاءِ بَدْرٍ حَتَّى أَدَّى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5] فَقَدْ قَالَ: وَاحْصُرُوهُمْ؛ فَأَمَرَ بِالْأَخْذِ كَمَا أَمَرَ بِالْقَتْلِ.

فَإِنْ قِيلَ: أَمَرَ بِالْأَخْذِ لِلْقَتْلِ.

قُلْنَا: أَوْ لِلْمَنِّ وَالْفِدَاءِ. وَقَدْ عَضَّدَتْ السُّنَّةُ ذَلِكَ كُلَّهُ؛ فَرَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ مِنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ جَارِيَةً فَفَدَى بِهَا نَاسًا مِنَ المُسْلِمِينَ.

1 في ش: والصحيح.

2 في ش: فإن لم يتمكن ضرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت