فهرس الكتاب
قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَكُونُ الرَّجْعَةُ بِالْفِعْلِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ بِالْقَوْلِ وَلَا مُعْتَمَدَ لَهُ مِنَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَلَنَا كُلُّ ذَلِكَ؛ فَأَمَّا الْقُرْآنُ فَقَوْلُهُ: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} ؛ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ؛ إذْ الْإِمْسَاكُ يَكُونُ بِهِمَا عَادَةً، وَيَكُونُ شَرْعًا، أَلَا تَرَى أَنَّ خِيَارَ الْمُعْتَقَةِ يَكُونُ إمْسَاكُهَا بِالْقَوْلِ بِأَنْ تَقُولَ: اخْتَرْت، وَبِالْفِعْلِ بِأَنْ تُمَكِّنَ مِنْ وَطْئِهَا، وَلِذَلِكَ1 قَالَ تَعَالَى: { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة: 228] ، وَالرَّدُّ يَكُونُ تَارَةً بِالْقَوْلِ، وَتَارَةً بِالْفِعْلِ. وَمِنْ عَجِيبِ الْأَمْرِ أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلَيْنِ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لِلْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ أَمْسَكْتهَا، هَلْ يَكُونُ رَجْعَةً أَمْ لَا؟ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُظَفَّرٍ الطَّبَرِيُّ: لَا يَكُونُ رَجْعَةً؛ لِأَنَّ اسْتِبَاحَةَ الْوَطْءِ لَا تَكُونُ إلَّا بِلَفْظَيْنِ، وَهُمَا قَوْلُهُ: رَاجَعْت، أَوْ رَدَدْت، كَمَا يَكُونُ النِّكَاحُ بِلَفْظَيْنِ وَهُمَا قَوْلُهُ: زَوَّجْت، أَوْ نَكَحْت، وَهَذَا مِنْ رَكِيكِ2 الْكَلَامِ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِ ذَلِكَ الْإِمَامِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ تَحَكُّمٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ أَنْ يَقِفَ عَلَى [لَفْظَيْنِ لَكَانَ وُقُوفُهُ عَلَى] 3 لَفْظَيْ الْقُرْآنِ، وَهُمَا رَدَدْت وَأَمْسَكْت اللَّذَانِ جَاءَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَهَا هُنَا أَوْلَى مِنْ لَفْظِ رَاجَعْت الَّذِي لَمْ يَأْتِ فِي الْقُرْآنِ، بَيْدَ أَنَّهُ جَاءَ فِي السُّنَّةِ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُمَرَ:"مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا"، كَمَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ لَفْظٌ ثَالِثٌ4 فِي النِّكَاحِ، وَهُوَ فِي شَأْنِ الْمَوْهُوبَةِ؛ إذْ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"اذْهَبْ فَقَدْ مَلَكْتهَا بِمَا مَعَك مِنَ القُرْآنِ"؛ فَذَكَرَ النِّكَاحَ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ.
المسألة الثَّامِنَةُ: مِنْ قَوْلِ عُلَمَائِنَا كَمَا تَقَدَّمَ: إنَّ الرَّجْعَةَ تَكُونُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مَعَ النِّيَّةِ، فَلَوْ خَلَا ذَلِكَ فِي نِيَّةٍ، أَوْ كَانَتْ نِيَّةٌ دُونَ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ مَا حُكْمُهُ؟
قَالَ أَشْهَبُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إذَا عَرَى الْقَوْلُ أَوْ الْفِعْلُ عَنِ النِّيَّةِ فَلَيْسَا5 بِرَجْعَةٍ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْوَطْءَ الْعَارِيَ [مِنْ نِيَّةٍ لَيْسَ بِرَجْعَةٍ، وَالْقَوْلَ الْعَارِيَ] 6 عَنِ النِّيَّةِ جَعَلَهُ رَجْعَةً؛ إذَا قَالَ: رَاجَعْتُك وَكُنْت هَازِلًا، فَعَلَى7 قَوْلِ عَلِيٍّ بِأَنَّ النِّكَاحَ بِالْهَزْلِ لَا يَلْزَمُ فَلَا8 يَكُونُ رَجْعَةً؛ فَإِنْ كَانَتْ رَجْعَةً بِالنِّيَّةِ دُونَ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ فَحَمَلَهُ الْقَرَوِيُّونَ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الطَّلَاقِ وَالْيَمِينِ إنَّهُ يَصِحُّ بِالنِّيَّةِ دُونَ قَوْلٍ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ؛ لِأَنَّ
1 في أ: وكذلك.
2 في م: تأكيد.
3 ساقط من ش.
4 في أ: ثلاثة.
5 في أ: فليس.
6 من ش، م.
7 في ش، م: فعلى القول.
8 في أ: ولا.