من الغريب أن الله سبحانه قد أخبر عنه أنه ندم وهو في النار.
وقال صلى الله عليه وسلم:"الندم توبة".
قلنا: عن هذه ثلاثة أجوبة:
الأول: أن الحديث ليس يصح, لكن المعنى صحيح, وكل من ندم فقد سلم, لكن الندم له شروط, فكل من جاء بشروطه قبل منه, ومن أخل بها أو بشيء منها لم يقبل.
الثاني: أن معناه ندم ولم يستمر ندمه, وإنما يقبل الندم إذا استمر.
الثالث: أن الندم على الماضي إنما ينفع بشرط العزم على ألا يفعل في المستقبل.
المسألة الثامنة: قوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ} :
تعلق بهذا من قال: إن ابني آدم كانا من بني إسرائيل, ولم يكن قبلهم. وهذا لا يصح لأن القتل قد جرى قبل ذلك, ولم يخل زمان آدم ولا زمن من بعده من شرع. وأهم قواعد الشرائع حماية الدماء عن الاعتداء وحياطته بالقصاص كفا وردعا للظالمين والجائرين وهذا من القواعد التي لا تخلو عنها الشرائع والأصول التي لا تختلف فيها الملل؛ وإنما خص الله بني إسرائيل بالذكر للكتاب فيه عليهم؛ لأنه ما كان ينزل قبل ذلك من الملل والشرائع كان قولا مطلقا غير مكتوب, بعث الله إبراهيم فكتب له الصحف, وشرع له دين الإسلام, وقسم ولديه بين الحجاز والشام, فوضع الله إسماعيل بالحجاز مقدمة لمحمد صلى الله عليه وسلم وأخلاها عن الجبابرة تمهيدا له, وأقر إسحاق بالشام, وجاء منه يعقوب وكثرت الإسرائيلية, فامتلأت الأرض بالباطل في كل فج, وبغوا1؛ فبعث الله سبحانه موسى وكلمه وأيده بالآيات الباهرة, وخط له التوراة بيده, وأمره بالقتال, ووعده النصر, ووفى له بما وعده, وتفرقت بنو إسرائيل بعقائدها, وكتب الله جل جلاله في التوراة القصاص محددا مؤكدا مشروعا في سائر أنواع الحدود, إلى سائر الشرائع من العبادات وأحكام المعاملات, وقد أخبر الله في كتابنا بكثير من ذلك.
المسألة التاسعة: قوله تعالى: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} :
هذه مسألة مشكلة؛ لأن من قتل نفسا واحدة ليس كمن قتل الناس في الحقيقة , وإنما
1 في أ: ونفق.
2 في"القرطبي": [6/ 146] : روي عن ابن عباس أنه قال: المعنى من قتل نبيًا أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن أحياه بأن شد عضده ونصره فكأنما نصر الناس جميعًا.