وبلوغ الدعوة: لأن من كان حديث عهد بالإسلام ولم يثافن1 حتى يعرف الأحكام, وادعى الجهل فيما أتى من السرقة والزنا وظهر صدقه لم تجب عليه عقوبة كالأب في مال ابنه, لما قدمناه من قوله صلى الله عليه وسلم:"إن من أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه".
ولذلك قلنا: إذا وطئ أمة ابنه لا حد عليه للشبهة التي له فيها, والحدود تسقط بالشبهات, فهذا الأب وإن كان جاء بصورة السرقة في أخذ المال خفية فإن له فيه سلطان الأبوة وتبسط الاستيلاء, فانتصب ذلك شبهة في درء ما يندرئ بالشبهات. وأما متعلق المسروق, وهي:
المسألة السابعة: فهو كل مال تمتد إليه الأطماع, ويصلح عادة وشرعا للانتفاع به, فإن منع منه الشرع لم ينفع تعلق الطماعية فيه, ولا يتصور الانتفاع منه, كالخمر والخنزير مثلا.
وقد كان ظاهر الآية يقتضي قطع سارق القليل والكثير؛ لإطلاق الاسم عليه وتصور المعنى فيه. وقد قال به قوم منهم ابن الزبير, فإنه يروى أنه قطع في درهم. ولو صح ذلك عنه لم يلتفت إليه؛ لأنه كان ذا شواذ, ولا يستريب اللبيب, بل يقطع المنصف أن سرقة التافه لغو, وسرقة الكثير قدرا أو صفة محسوب, والعقل لا يهتدي إلى الفصل فيه بحد تقف المعرفة عنده, فتولى الشرع تحديده بربع دينار.
وفي"الصحيح", عن عائشة2:"ما طال علي ولا نسيت: القطع في ربع دينار فصاعدا". وهذا نص.
وقال أبو حنيفة3: لا قطع في أقل من عشرة دراهم, وروى أصحابه في ذلك حديثا قد بينا ضعفه في"مسائل الخلاف"و"شرح الحديث".
فإن قيل: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لعن الله السارق يسرق الحبل فتقطع يده ويسرق البيضة فتقطع يده"4.
قلنا: هذا خرج مخرج التحذير بالقليل عن الكثير, كما جاء في معرض الترغيب بالقليل
1 ثافن: لازم.
2"الموطأ": [832] ، و"أحكام الجصاص": [4/ 64] ، و"سنن الترمذي": [4/ 50] .
3 وارجع إلى"أحكام الجصاص": [61- 65] .
4 من ل، و"القرطبي"وانظر"البخاري": [1314] .