وقال الشافعي: التحكيم جائز, وهو غير لازم؛ وإنما هو فتوى قال: لأنه لا يقدم آحاد الناس الولاة والحكام, ولا يأخذ آحاد الناس الولاية من أيديهم, وسنعقد في تعليم التحكيم مقالا يشفي إن شاء الله تعالى, إشارته إلى أن كل محكم فإنه هو مفعل من حكم, فإذا قال: حكمت, فلا يخلو أن يقع لغوا أو مفيدا, ولا بد أن يقع مفيدا, فإذا أفاد فلا يخلو أن يفيد التكثير كقولك: كلمته وقللته, أو يكون بمعنى جعلت له, كقولك: ركبته وحسنته, أي جعلت له مركوبا وحسنا؛ وهذا يفيد جعلته حكما.
وتحقيقه أن الحكم بين الناس إنما هو حقهم لا حق الحاكم, بيد1 أن الاسترسال على التحكيم خرم لقاعدة الولاية ومؤد إلى تهارج2 الناس تهارج الحمر, فلا بد من نصب فاصل؛ فأمر الشرع بنصب الوالي ليحسم قاعدة الهرج, وأذن في التحكيم تخفيفا عنه وعنهم في مشقة الترافع, لتتم المصلحتان, وتحصل الفائدتان.
والشافعي ومن سواه لا يلحظون الشريعة بعين مالك رحمه الله ولا يلتفتون إلى المصالح, ولا يعتبرون المقاصد, وإنما يلحظون الظواهر وما يستنبطون منها, وقد بينا ذلك في"أصول الفقه"و"القبس في شرح موطأ مالك بن أنس".
ولم أرو في التحكيم حديثا حضرني ذكره الآن إلا ما أخبرني به القاضي العراقي, أخبرنا الجوني, أخبرنا النيسابوري, أخبرنا قليله, أخبرنا قتيبة بن سعيد, حدثنا يزيد يعني ابن المقدام بن شريح عن أبيه شريح, عن أبيه هانئ قال: لما وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومه سمعهم وهم يكنونه أبا الحكم, فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"إن الله هو الحكم, وإليه الحكم, فلم تكنى أبا الحكم؟"فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم, فرضي كلا الفريقين. فقال:"ما أحسن هذا فما لك من الولد؟"قال: لي شريح, وعبد الله, ومسلم. قال:"فمن أكبرهم؟"قال: شريح. قال:"فأنت أبو شريح"ودعا له ولولده.
المسألة السابعة: كيف أنفذ النبي صلى الله عليه وسلم الحكم بينهم؟:
اختلف في ذلك جواب العلماء على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه حكم بينهم بحكم الإسلام, وأن أهل الكتاب من زنى منهم وقد تزوج عليه الرجم, فيحكم عليهم به الإمام, ولا يشترط الإسلام في الإحصان؛ قاله الشافعي.
1 بيد: غير.
2 التهارج: التخليط والإكثار.