فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 698

"قال أبو البختري: أما إنهم لم يصلوا لهم، ولو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم، ولكن أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه وحرامه حلاله؛ فأطاعوهم فكانت تلك الربوبية."اهـ [1]

وتأمل هذه النقطة؛ فحتى هؤلاء الذين وصفهم الله أنهم مشركين ووصفهم بأنهم عبيد لهؤلاء الأرباب؛ لو قال لهم هؤلاء الأرباب إعبدونا، لرفضوا ولقالوا لهم: لماذا نعبدكم؟ نحن نعبد الله تعالى. فحتى اليهود يدّعون أنهم موحدون ويكرهون التثليث جدّا.

فلماذا جعلهم الله مشركين؟

ولماذا جعل الله المشرعين أربابًا رغم أن هؤلاء الأرباب لم يقولوا لهم إعبدونا أو صلًّوا لنا؟ ورغم أن هؤلاء المشركين لم يصلوا ولا سجدوا لهم بل يرفضون عبادتهم؟

لأنهم أطاعوهم فيما يعلمون أن خلاف طاعة الله سبحانه وتعالى.

وهؤلاء المتبعين لم ينكروا حكم الله ورسوله بل يعرفون أن التوراة فيها كذا وكذا وأن هذا حرام وهذا حلال؛ ورغم هذا إتبعوا الأحبار والرهبان، ولم يغيّروا حكم الله بل حكم الله ثابت عندهم كما سيأتي معنا عندما نتكلم عن سبب نزلوا آية المائدة (مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [2] ؛ أنهم لم يغيروا حد الزنا بل مازال الرجم مكتوب عندهم في التوراة لو ينكروه حكم الله ولكنهم إتبعوا الذي وضعه الأحبار والرهبان من التحليل والتحريم، حتى أنهم عندما ذهبوا للنبي -عليه الصلاة والسلام- كان الحكم مكتوب في توراتهم فوضع الحبر أصبعه على موضع آية الرجم ليخفيها، فهم يعرفون حكم الله ولم يعتقدوا أن هذا أصبح حلال وهذا أصبح حرام، بل يعرفون حكم الله واتبعوهم على ذلك فصار هؤلاء مشركين وأصبح أولئك أربابًا. وهذا هو الحال الآن والعياذ بالله، فهو يعرفون أن الربا حلال وأن الزنا حرام ولكن المشرع يشرع خلاف لدين الله.

(1) مجموع الفتاوى لإبن تيمية 7\ 67.

(2) سورة المائدة-44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت