فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 698

"أمر الرب سبحانه شامل للأمر الكوني والشرعي؛ فكما أنه مدبر الكون القاضي فيه بما يريد حسب ما تقتضيه حكمته، فهو كذلك الحاكم فيه بشرع العبادات وأحكام المعاملات حسب ما تقتضيه حكمته، فمن اتخذ مع الله تعالى مشرعًا في العبادات أو حاكمًا في المعاملات فقد أَشْرَك به ولم يُحقِّق الإيمان" [1] اهـ.

والآية واضحة في هذا المعنى، قال تعالى (إتخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [2] ، فسمّى تعالى الذين إرتضوا لأنفسهم أن يشرعوا ويحرموا ويحللوا أنهم أربابًا. وسمّى هذا الفعل من الذين إتبعوهم شركًا.

يقول الشيخ الشنقيطي في تفسير أضواء البيان:"ولما كان التشريع وجميع الأحكام - شرعية كانت أو كونية قدرية - من خصائص الربوبية - كما دلت عليه الآيات المذكورة - كان كل من اتبع تشريعا غير تشريع الله قد اتخذ ذلك المشرع ربا، وأشركه مع الله."ا. هـ. [3]

وسيأتي معنا في مبحث توحيد الألوهية والعبادة أن صور العبادة ليست مقصورة بأن تذهب وتصلي وتذبح بل هناك صور أخطر؛ وهي أن تتبعه فيما يحلل ويحرم وتطيعه في خلاف طاعة الله -سبحانه وتعالى-، وهذا الصورة التي أنزلت فيها هذه الآيات وتلك عبادتهم إياهم، أما الصورة الأولى فلا أحد يفعلها ولا أحد يقول لك صلي لي واذبح لي وصم ليأوطف حولي، ولكن هناك صورة أخطر بكثير وهي أن تتبعه فيما تعلم أنه خلاف شرع الله.** [4]

يقول شيخ الإسلام إبن تيمية في مجموع فتاواه تعليقًا على هذه الآية (إتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله) :-

(1) شرح ثلاثة الأصول للشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين صـ 85.

(2) سورة التوبة \ 31.

(3) كتاب (أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن) للشيخ الشنقيطي 7\ 53.

(4) نهاية الملف الثامن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت