فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 698

فالقوم لم ينازعوا في إثبات وجود الله، ولم ينازعوا في إثبات أسمائه وصفاته، وإنما نازعوا في إفراده بالسلطة، وهذه هي النقطة التي حدث بها النزاع في القديم؛ وهي النقطة التي يتجدد حولها الصراع في العصر الحديث، لأن قول الرسل قولوا لا إله إلا الله، يعني تجريد كل السلطات وكل الإختصاصات وكل أنواع وصور العبودية من تلك الأنداد والآلهة المزعومة وإعطائها حقًا خالصًا لله تعالى، وهذا ما لا يرضاه المشركون في كل عصر ومصر، ولذلك قالوا فيما يحكي عنهم المولى سبحانه وتعالى في كتابه (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) [1] .

فهم تعودوا أن يقسموا ويبعضوا الإختصاصات فيقولوا هذه لله وهذه لشركائنا، وهذا هو الأمر الذي جاءت عقيدة التوحيد لتهدمه من أساسه، فلا إله إلا لله تعني إفراد المولى -سبحانه وتعالى- بشتى أنواع السلطات، فكل ما يختص بالله -سبحانه وتعالى- لابد أن يفرد به، ولا ينازعه فيه أي ندٍ أو أي إله من الأنداد والأرباب والآلهة المزعومة.

يقول شيخ الإسلام إبن تيمية كما في مجموع فتاواه المجلد الثالث صـ 91:"فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركا، ومن لم يستسلم له كان مستكبرا عن عبادته، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده.". [2]

فكلا الصنفين المستكبر عن العبادة والمشرك فيها مع الله غيره؛ كلاهما في الحكم سواء، والتوحيد كما ذكر الشيخ هو الإستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده، فليس موحد من يطيع الله ثم يطيع معه غيره في خلاف طاعته الله، بل هذا شرك أكبر كما سيأتي معنا.

(1) سورة ص \5.

(2) مجموع فتاوى إبن تيمية 3\ 91.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت