والله -سبحانه وتعالى- وضح لنا هذه القضية بغاية الوضوح؛ قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [1] ، فحتى موتك لابد أن يكون عبادة لله تعالى وليس حياتك فقط، فأنت -كما قلنا من قبل- وقف لله تعالى، وهذه هي الصفة الصحيحة للعبادة، وهذه هي الصفة التي خلقك الله من أجلها، قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [2] ، أي عبادة حقيقية وليس عبادة يشترك فيها مع الله غيره محاداةً ومعاداةً له تعالى.
وهذا فالتبعيض النتن بين الشعائر والشرائع أو بين الأنظمة التي تحكم الناس وبين العبادات هو أمر باطل بطلان كبير، فكل مناحي الحياة من شعائر العبادات والأمور الإقتصادية والأمور السياسية والأمور الإجتماعية -إلى غيرها من مناحي النشاط البشري- كلها لابد أن تخضع لمفهوم العبادة، فكما أنك تمارس العبادة في صلاتك وفي حجك وفي صومك وفي أذكارك وفي دعوتك؛ فكذلك يجب أن تمارس العبادة في إتباعك لتشريع الله؛ سواء في السياسية أو الإقتصاد أو الحرب أو السلم وفي سائر هذه الأمور، فكلها عبادة لله -سبحانه وتعالى- ولا فرق بين هذا النوع وبين ذلك النوع.
فمن تلك العبادات التي يفرد بها المولى سبحانه تعالى -بالإضافة للأنواع المعروفة من النذر والذبح والدعاء والإستغاثة- كذلك من ضمن تلك العبادات عبادة الحكم والتحاكم، ونحن ذكرنا من قبل في هذا آيات كثيرة عندما تكلما عن توحيد الأسماء والصفات؛ فالحكم عبادة كما أن الذبح عبادة وكما أن الصلاة عبادة وكما أن الصوم عبادة.
(1) سورة الأنعام\162.
(2) سورة الذاريات\56.