فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 698

فضع هذه الآية التي تتكلم عن العبادة (قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ) [1] ؛ وضع الآية التي تتكلم عن الحاكمية بالمفهوم الذي فصلناه بطاغوت الحاكمية (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [2] ، فكما أن الشرك بالله في صورته الظاهرة شركٌ لا خلافة فيه؛ فكذلك صورته في الحكم بغير ما أنزل والتحاكم لغيره شرك أكبر لا خلاف فيه.

وفي آيات أخرى في سورة النور يذكر الله تعالى فيها صفات المؤمنين فقال فيها (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا) [3] ، فبمفهوم المخالفة أن الذي لا يجتنب الطاغوت فيؤاكله ويشاربه ويخالطه ويصبح جزءًا من نظامه التشريعي؛ فقد وقع في عبادة هذا الطاغوت.

فالذي لا يجتنب الطاغوت فحكمه على ضوء هذه الآية الصريحة أنه قد وقع في عبادة الطاغوت؛ سواء كان عدم الإجتناب في المشاركة أو في المخالطة أو في أن يصبح جزءًا من نظامه؛ فما بالك بأن يتحاكم إليه؟ وما بالك بأن يُنفذ حكمه؟ فهذا ليس عدم إجتناب فحسب بل هذا طاغوت بنفسه.

فالآية صريحة في أن مخالطة الطاغوت بالتعظيم وبالمؤانسة وبالمؤاكلة وأكبرها وأعظمها الخضوع لحكمه وإنفاذ حكمه؛ عبادة لهذا الطاغوت.

بل المولى -سبحانه وتعالى- وفقًا لهذه المفاهيم ووفقًا لهذا المعنى يقرر لنا أن الإشراك في حكمه تمامًا مثل الإشراك في عبادته؛ سواء بسواء، فليس هناك أدنى فرق بين من يشرك في عبادة الله في الصورة الظاهرية فيخضع ويسجد ويصلي وصوم لصنم أو وثن؛ ليس هناك فرق بينه وبين الذي يشرك في حكمه سبحانه تعالى؛ فيخضع لحكم غير الله ويتحاكم لحكم غيره، لأن كلا الصورتين عبادة يجب أن يُفرد بها المولى سبحانه وتعالى.

(1) سورة الرعد\36.

(2) سورة النحل\ 36.

(3) سورة الزمر\ 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت