فمن الأمور التي جعلت المولى يتفرد بالطاعة أن الحكم له وحده، فكون الحكم لله وحده جعله يتفرد بالطاعة لأن الذي يحكم هو الذي يطاع، والذي يصدر الأمر والنهي هو الذي يطاع، فمن لا أمر له ولا نهي له لا يطاع ولا يأبه له، والذي ينازع الله -سبحانه وتعالى- في الحكم يعني أنه يريد أن ينازعه في الطاعة، والذي ينازع الله في الطاعة فقد إتخذ من نفسه ندًا من دون الله تعالى.
وأقل ما في عمليّة الحكم بغير ما أنزل الله أنها دعوى بلسان الحال أو بلسان المقال إلى أن تلك القوانين الوضعية التي صنعها البشر أنها سماويّة، فهذا أقل ما فيها بل وعلى التحقيق كثير منهم زعم أنها أفضل من شرع الله، وفي زعم تلك المساواة ما فيه من الكفر والإلحاد والمروق عن دين الله، فتلك المساواة هي زَعم من الكفار أن لله أنداد في الألوهية والربوبية وفي خصائص الله.
قال تعالى (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [1] ، وضرب الأمثال يختلف بإختلاف الأزمنة والأمكنة، فقد يكون ضرب الأمثال لله -عز وجل- عن طريق الأحجار والأشجار والكواكب والنجوم؛ فيجعلها مساوية لله عز وجل في مقام الربوبية أو في مقام الألوهية، وقد يكون ضرب الأمثال لله -عز وجل- عن طريق الطاعة، فتُجعل تلك القوانين الوضعية وتُجعل تلك الطواغيت أندادًا من دون الله تعالى، وهذا الفعل من صاحبه ضرب لله الأمثال وزعم من صاحبه أن هؤلاء البشر أندادًا لله في خصائص الربوبية والألوهية.
يقول إبن كثير في تفسيره لهذه الآية (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) :
(1) سورة النمل\ 74.