وكذلك من رجا غير الله كما يرجى الله فقد إتخذ من دون الله أندادًا، كذلك من خاف غير الله كخيفته لله فقد إتخذ من دون الله أندادًا، كذلك من أطاع غير الله كطاعته لله -عز وجل- فقد إتخذ من دون الله أندادًا، فالآية لم تقل أن إتخاذ الغير ندًا في المحبة يعني أنه زعم أنه الخالق الرازق المدبر، وإنّما وجه هذه العبادة القلبية لغير الله، فكذلك أن تتخذ من غير الله ندًا في الطاعة لا يعني أن تعتقد أنه الخالق الرازق المصرّف.
فالذين قال الله فيهم: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) [1] لم يعتقدوا هذه الإعتقاد، ولكن الآية نزلت في مناط الطاعة والإتباع والتشريع المخالف، ونقلنا من قبل كلام العلماء وأنهم لو دعوهم لعبادتهم لأبوا ورفضوا، فهم كانوا يعرفون أن الله هو الرب الخالق الرازق ولكن وجّهوا الطاعة لغير الله فكفروا بهذا التوجيه وصاروا عبادًا لهؤلاء الأنداد من دون الله.
وكنا قد تعرضنا عندما تكلمنا عن توحيد الربوبية لما أشار إليه الشيخ أنه ليس هناك طائفة في الأرض يُعْرَف أنها أثبتت أن هناك خالق غير الله عز وجل، أو أن هناك رازق ومتصرف ومدبر وصانع غير الله تعالى، حتى المشركين لم يثبتوا هذه النديّة، فمعنى إتخاذ أنداد مع الله تعالى إتخاذ أنداد في العبودية لا في الخلق والرزق والتكوين والإنشاء؛ أي أن يصرف لهم المحبة أو الرجاء أو الخوف أو الطاعة، فهذا ند في المحبة، وهذا ند في الرجاء، وهذا ند في الخوف، وهذا ند في الطاعة، والطاعة هي أبرز مظاهر العبادة لله تعالى.
(1) سورة التوبة\31.