فقوله: (ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) [1] يقصد أن يقول: لا أعلم لكم في هذا الكون من تطيعوا ومن تتبعوه ومن يشرع لكم إلا أنا، وهذا هو دينه الذي ذكره في قوله (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ) [2] ،؛ أي أن يبدل شرائعي وأنظمتي وقوانيني، وهي تمامًا نفس الدعوة التي يرددها الطواغيت اليوم؛ فلسان حالهم في حربهم الطاحنة الشرسة مع الحركات الإسلامية: (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) [3] ، و"إنا نخاف أن يغير هؤلاء الشيوخ وهؤلاء المجاهدين ديننا"، أي دينهم الذي وضعوه من دون الله، فنفس الدعوى التي أطلقها فرعون يطلقها هؤلاء الأنداد الذي فاقوا فرعون، ولذلك كان الحكم بغير ما أنزل الله إتخاذ إتخاذ واضح لهؤلاء الطواغيت أندادًا من دون الله تعالى.
يقول سيد قطب رحمه الله مقالة نفيسة جدًا تكتب بماء العيون، يقول في الظلال المجلد الأول صـ 406:
"إن هذا الكون بجملته لا يستقيم أمره ولا يصلح حاله، إلا أن يكون هناك إله واحد، يدبر أمره: و (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا) .. وأظهر خصائص الألوهية بالقياس إلى البشرية: تعبد العبيد والتشريع لهم في حياتهم، وإقامة الموازين لهم. فمن ادعى لنفسه شيئا من هذا كله فقد ادعى لنفسه أظهر خصائص الألوهية وأقام نفسه للناس إلها من دون الله."
وما يقع الفساد في الأرض كما يقع عند ما تتعدد الآلهة في الأرض على هذا النحو. عند ما يتعبد الناس الناس. عند ما يدعي عبد من العبيد أن له على الناس حق الطاعة لذاته وأن له فيهم حق التشريع لذاته وأن له كذلك حق إقامة القيم والموازين لذاته. فهذا هو ادعاء الألوهية ولو لم يقل كما قال فرعون: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى) .. والإقرار به هو الشرك بالله أو الكفر به .. وهو الفساد في الأرض أقبح الفساد .."ا. هـ."
(1) سورة القصص\38.
(2) سورة غافر\ 26.
(3) سورة غافر\ 29.