"وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون، وقد كان مستيقنا به في الباطن، كما قال له موسى: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ) [1] ، وقال تعالى عنه وعن قومه: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) [2] " [3] اهـ.
فما هو مراد فرعون بقوله (أَنَارَبُّكُمُالأَعْلَى) [4] وبقوله (ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) [5] ؟ وما مراده بإدعائه الربوبية والألوهية؟
ليس مراده أنه هو الخالق الرازق بل مراده أنه هو وحده المطاع الحاكم المشرع، وهو نفسه مراد طواغيت اليوم وإن لم يصرحوا بها فلسان حالهم يصرح بهذا.
ويدل على هذا أيضًا قوله تعالى على لسان فرعون مخاطبًا قومه (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) [6] ؛ فالقضية القضية قضية إتباع، فهو يقول لهم لا تتبعوا الأنبياء ولا تتبعوا شرع الله وإنما إتبعوني أنا، فالذي أراه لكم هو الحق بغض النظر عما جاء به موسى وهارون عليها وعلى نبينا أشرف الصلاة وأتم التسليم.
وآية أخرى توضح هذا المعنى قوله تعالى (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) [7] ، فسمى النظام والشرائع التي وضعنا لقومه دينًا رغم أنه مستيقن أن لهذا الكون إله، إذًا القضية في إدعاءه الربوبية والألوهية هي إدعاؤه أنه المطاع من دون الله لا أنّه الخالق الرازق المحيي المميت.
(1) سورة الإسراء\ 102
(2) سورة النمل\ 14
(3) كتاب (شرح الطحاوية) لعلي بن علي بن محمد بن أبي العز الحنفي (المتوفى: 792هـ) طـ دار السلام صـ 79.
(4) سورة النازعات\24.
(5) سورة القصص\38.
(6) سورة غافر\ 29.
(7) سورة غافر\ 26.