فهرس الكتاب

الصفحة 303 من 698

يقول ابن حزم في تفسيره لهذه الآية، في كتابه الفصل المجلد الثالث صـ 245: (وبحكم اللغة التي بها نزل القرآن، أن الزيادة في الشيء لا تكون البتة إلا منه لا من غيره؛ فصح أن النسيء كفر وهو عمل من الأعمال، وهو تحليل ما حرم الله تعالى، فمن أحل ما حرم الله تعالى وهو عالم بأن الله تعالى حرمه؛ فهو كافر بذلك الفعل نفسه) [1] ا. هـ.

فهذه الآية هي من أوضح الأدلة في الرد على الذين اشترطوا الاعتقاد؛ فالآية أولًا تتكلم عن صورة لا دخل لها بالاعتقاد، فصفة العمل الذي كفر به هؤلاء القوم الذين أنزلت فيهم الآية، أنهم كانوا يأتون في الشهور المحرمة خاصة شهر المحرم فيحلونه ويبيحون فيه القتال والدماء، ثم يأتون في شهر صفر فيحرمونه ويمنعوا فيه الدماء والقتال؛ إذًا يأتون للشيء الذي حرّمه الله فيحلّونه، ويأتون للشيء الذي أحلّه الله فيحرمونه.

فهم عندما أباحوا القتال في شهر المحرم لم يكونوا يعتقدوا أنه أصبح مباحًا، بل يعرفون أن الله حرّم فيه القتال، وكذلك عندما يحرّمون القتال في شهر صفر، لم يكونوا يعتقدون أن شهر صفر حُرّم من عند الله؛ والدليل على ذلك أن الله تعالى قال: (يُحِلُّونَهُ عامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا) ، فهم في العام الذي أحلوه كانوا يعلمون أنه حرام، ولذلك عادوا في العام القادم وحرموه بأنفسهم، فالصورة لا تتحدث أبدًا عن الاعتقاد، وإنما الصورة منصبة أساسًا على كفر العمل وعلى الاستحلال العملي؛ والدافع إليه -كما قال ابن كثير- آرائهم الفاسدة وأهوائهم الباردة، فهي آراء وأهواء جعلتهم يقدمون شرعتهم على شرع الله تعالى، فهم لمصلحة يروها بدّلوا الحرام إلى حلال والحلال إلى حرام، وبناءً على هذا التبديل كفروا عند الله تعالى.

(1) الفصل في الملل والأهواء والنحل 3\ 114.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت