فهرس الكتاب
كذلك من تلك الآيات التي تتحدث عن هذه المسألة قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ*ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) [1] ، فهؤلاء الذين ارتدوا ذكر الله سبب ارتدادهم، وهو أنهم قالوا للذين كرهوا ما أنزل الله وهم اليهود كما قال المفسرون: (سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ) ؛ فكفرهم الله تعالى بعد أن كانوا من أهل الإيمان والتصديق وبعد أن تبين لهم الهدى.
فبمجرد أن وعدوا اليهود بأنهم سيطيعوهم في بعض الأمر وليس في كل الأمر، وعدوهم ولم يفعلوا شيء؛ كفرهم الله تعالى، فكيف بمن تجاوز حد القول إلى حد الفعل، وليس الفعل في بعض الأمر بل في مجمل الأمر وربما شمل كل الأمر، وليس الفعل المجرد بل الفعل المقنن بقوة إلزامية من جنود وشرط ودرك وأعوان تجبر الناس على الخضوع لهذه الأحكام، فهو كفرٌ فوق كفر.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الآية في مجموع فتاواه في المجلد الثامن والعشرون صـ 193، فذكر هذه الآية ثم عقب عليها بسطر واحد يدل على فقهه، فقال -رحمه الله-: (وتبين -أي هذه الآية- أن موالاة الكفار كانت سبب ارتدادهم على أدبارهم.) [2] اهـ.
فذكر الشيخ أن سبب ردتهم هي موالاة الكفار الكارهين لما أنزل الله، وهذه المولاة كانت الوعد بالطاعة في بعض الأمر، فشيخ الإسلام يصرح أن قول هؤلاء لليهود سنطيعكم في بعض الأمر هو مولاة مكفرة، كانت السبب في ردتهم عن دين الله، مجرد الوعد بالطاعة وليس الطاعة، وفي بعض الأمر وليس في كل الأمر.
(1) سورة محمد\ 5 - 6.
(2) مجموع الفتاوى 28\ 193.