فهرس الكتاب
في أول آية من هذه الآيات حدّد الله تعالى؛ طبيعة القضية وطبيعة الصراع وماهية النزاع، والمسألة التي يدور حولها الكلام، فقال: (يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) ؛ فذكر تعالى في هذه الآيات الحكم قبل أن يوضح صفة الفعل، وفي هذا إشارة تنبيه إلى أن القضية لا تحتمل التأويل، وأنها ليست قضية إيمان مستحب وكفر دون كفر، وإنما هي قضية خروج عن الملة وارتداد عن هذا الدين، وليس كفر مجرد بل قال الله تعالى (يُسَارِعُونَ) ؛ فقضية ترك شرع الله واتباع شرع غيره ليست فقط قضية كفر وإنما هو مسارعة للكفر، فهذا الفعل ليس مكفّرًا عاديّا ولكنه مكفر يتميز بأنه كفر فوق كفر.
والكفر كما تعرفون دركات كما أن الإيمان درجات، وهناك ردة مغلظة وهناك ردة مخفّفة، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى المجلد 28؛ وكلاهما ردة عن دين الله، ولكن شتان بين هذا وذاك، وإن كان كلاهما مخلد في النار.
وذكر تعالى الكفر في الآية معرفًا بالألف واللام (يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) ، ثم حتى يؤكد تعالى هذا المعنى، وأن المراد به الكفر الأكبر، قال: (مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ) وهذا تمامًا كقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) [1] ، وكقوله تعالى: (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) [2] .
فهل الذي يقول بلسانه (آمنت) ويحكم عليه الله أنه لم يؤمن بقلبه، هل هذا كافر كفر أصغر؟!
(1) سورة النساء\60.
(2) سورة النور\47.