فهرس الكتاب
ثم يقول تعالى: (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ، فمن يضله الله لن تستطيع فعل شيء له، فهو لن يستفيد من الآيات البينات، ولن يستفيد من إقامة الحجة، كما قال تعالى (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ) [1] ، فالقضية ليست قضية إقامة حجة، وليست قضية دليل، وإنما القضية قضية أمور في النفوس تتغلب على حكم الله وحكم رسوله، وإن كانت من القطعيات المعلومة من الدين بالضرورة، التي لا تحتمل أصلًا نقاش.
ثم انظر للحكم من رب العالمين عقابًا لكم، من يعرض عن الحجة من بعد ما تبينت له أو يصم عنها بداية؛ فيضع في أذنيه القطن المعنوي، يقول تعالى: (أولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ، فهل هذه صفات الكفر الأصغر؟ أن يكون لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم؟
يقول تعالى (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) ؛ فهم كانوا يعرفون حكم الله معرفة يقينيّة، وسيأتي معنا كلام ابن كثير أنهم لم ينكروا حكم الله -عز وجل-، ولم يعتقدوا بطلانه، بل فوق ذلك كانوا يعتقدون بطلان الحكم المبدّل، الذي وضعوه من عند أنفسكم؛ ورغم ذلك كفرهم بتلك المناطات، التي كلها من باب الهوى، ومن باب تقديم الهوى على الشرع المنزل.
(1) سورة الجاثية\23.