فهرس الكتاب

الصفحة 398 من 698

ولشيخ الإسلام إبن تيمية فتوى عجيبة في هذا المقام تبين هذه المسألة؛ أن قضية الحاكمية من القضايا التي كان يتواصى بها الأنبياء والمرسلون من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وأنها من القضايا العقدية الكلية في كل الدعوات، وأنها من المرتكزات الإيمانية في شتّى دعوات الأنبياء والمرسلين، وهي فتوى مخزية لكل من يجادل في كفر هؤلاء الحكام الطواغيت، وفتوى قاطعة لأعناقهم، يقول شيخ الإسلام كما في مجموع فتاواه (8\ 106) :"معلوم أن من أسقط الأمر والنهي الذي بعث الله به رسله فهو كافر باتفاق المسلمين واليهود والنصارى" [1] اهـ.

فأهل الأديان الثلاثة متفقون على تكفير من أعرض عن حكم الله وحكَّم قوانين البشر، ولا يخرج من هذا الإتفاق إلا هؤلاء المرجئة الذي فاقوا المرجئة الآوائل في إرجائهم، فهي فتوى مُخزية لكل من يجادل عن هؤلاء الطواغيت الكفرة المرتدين، فهو إتفاق مركب بين جميع الأديان السماوية المشهورة، وهذا يؤكد هذا المعنى الذي تكلمنا حوله أن تلك العقيدة عقيدة الحاكمية من العقائد الكلية ومن المرتكزات الإيمانية التي كان يتواصى بها الأنبياء والمرسلون من لدن آدم وحتى محمد صلى الله عليه وسلم.

بل إذا قلنا أن اليهود إذا أعرضوا عن شريعتهم وكفروا بها، والنصارى إذا أعرضوا عن شريعتهم وكفروا بها فإعراض المسلمين عن شريعتهم وكفرهم هو على التحقيق أعظم كفرًا من كفر اليهود والنصارى لعدة أمور:

أولها أن المسلمين أصحاب الرسالة الخاتمة النافذة، فرسالتهم وشريعتهم أكمل الرسالات وأحسنها وأجملها وأشملها؛ فمن كانت هذه صفات شريعته فإعراضه عن شريعته قبيح جدًا، وكفره في تركه لهذه الشريعة الناسخة الخاتمة الكاملة الشاملة وتحكيمه لشرائع البشر أقبح من الذي يعرض عن شريعة أنزلت لقوم خاصّين ووقت خاص.

(1) مجموع الفتاوى 8\ 106

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت