فهرس الكتاب

الصفحة 450 من 698

ثم يستمر السياق على نفس الوتيرة وبنفس الطريقة ولتقرير نفس الحكم، فيقول المولى -سبحانه وتعالى- في تتمة ذكر صفات هؤلاء المعرضين عن شرع الله: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) ؛ وهذه صفة اليهود والنصارى، وقد جعلها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتابه (مسائل الجاهلية) من المسائل التي خالف فيها النبي -عليه الصلاة والسلام- أهل الجاهلية.

ثم يقول تعالى: (يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا) ؛ فهم يُبغضون الاتباع والإيمان، فالذي يهواه أحدهم والذي يتفق معه في نفسه والذي لا يُكلِّفُه أدنى مؤُونة، يتبعه ويتمسك به ويظهر للناس تمسكه به، وإن كانت الأُخرى وجاء الحكم بخلاف ما في نفوسهم وبخلاف ما تربّى عليه ونشأ وبخلاف ما يحب، فلا يتركوه فحسب بل مبالغةَ في الترك والاجتناب ويحذروه.

وهذه الآية تشابه آية أخرى نزلت في نفس الموضوع وهي قوله تعالى في سورة النور: (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَاتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ) [1] ، فهم في قمة الخداع فيأتي مذعن وهو في الحقيقة لا يؤمن بالله ولا بالرسول، وإنما جاء من أجل تحصيل مصلحته ومن أجل هواه الذي وافق الحكم الشرعي، فرحب بالحكم الشرعي لا لأنه حكم شرعي بل لأنه يخدم هواه ويحقق مقصده، ثم يقول تعالى: (أفي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [2] ، وهذه آية لو أنزلت على الجبل الأصم لفتّتَته، ولكن القلوب ران عليها ما ران، قلوب قاسية.

(1) سورة النور\48 - 49

(2) سورة النور\50.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت