فهرس الكتاب
بعد ذلك يقول تعالى: (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) ، وهذه الآية تكلمنا عنها بالتفصيل في مبحث العلاقة بين الحاكمية وبين الإيمان، وبينّا الأدلة من كتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- أن الإيمان المنفي هو أصل الإيمان.
يقول سيد -رحمه الله- في تفسيره لهذه الآية: (فما يمكن أن يجتمع الإيمان، وعدم تحكيم شريعة الله، أو عدم الرضى بحكم هذه الشريعة. والذين يزعمون لأنفسهم أو لغيرهم أنهم(مؤمنون) ، ثم هم لا يحكمون شريعة الله في حياتهم، أو لا يرضون حكمها إذا طبق عليهم؛ إنما يدعون دعوى كاذبة وإنما يصطدمون بهذا النص القاطع: (وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) . فليس الأمر في هذا هو أمر عدم تحكيم شريعة الله من الحكام فحسب، بل إنه كذلك عدم الرضى بحكم الله من المحكومين، يخرجهم من دائرة الإيمان، مهما ادعوه باللسان. وهذا النص هنا يطابق النص الآخر، في سورة النساء: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ، وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [1] .. فكلاهما يتعلق بالمحكومين لا بالحكام) [2] اهـ.
ومن فقه سيد تفسيره القرآن بالقرآن؛ فشرح وفسّر هذه الآية من سورة المائدة بقوله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [3] ؛ وهذه الآية قد أخذت منا نصيبًا وافرًا من الشرح، وبينّا أن الإيمان المنفي فيها إنما هو أصل الإيمان وحقيقته.
(1) سورة النساء\65.
(2) في ظلال القرآن لسيد قطب 2\ 895.
(3) سورة النساء\65.