ومن العجب أن أقوام لا يعرفون من الحاكمية إلا (كفر دون كفر) ، رغم أن هذه الكلمة نفسها تحتمل أمرين؛ الأمر الأول: ضعف المسند عن ابن عباس، فيترجح أنها من قول طاووس وليست من قول ابن عباس، وهذا الذي قال به ابن جرير في تفسيره، فطاووس أدرجها في كلام ابن عباس؛ والأعجب من ذلك أن طاووس نفسه له ثلاث آثار في تكفير الحجّاج، كما أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب (الإيمان) وصححه الألباني في تحقيقه لهذا الكتاب، والوجه الثاني: أن ابن عباس يتكلم عن موضوع مختلف تمامًا عما نتكلم عنه، وهذا سنذكره بالتفصيل في مقام آخر؛ إذًا عندنا عدد كبير من الصحابة صرّحوا أن هذه الآيات الكريمات إنما أنزلت في اليهود، ثم عندنا تصريح لابن عباس أن الكفر المذكور في الآية هو الكفر الأكبر، بقوله أن هذه الألفاظ من الخسران والكفر وغيرها إذا قيلت في الكفار فتحمل مباشرةً على الكفر الأكبر، وإذا أنزلت في المسلمين فتحمل على الكفر الأصغر إذا وجدت القرينة.
ثم يذكر لنا ابن كثير بعض التابعين الذين قالوا بهذه المقولة، يقول ابن كثير: (قال البراء بن عازب وحذيفة بن اليمان وابن عباس وأبو مجلز وأبو رجاء العطاردي وعكرمة وعبيد الله بن عبد الله والحسن البصري وغيرهم: نزلت في أهل الكتاب، زاد الحسن البصري: وهي علينا واجبة، وقال عبد الرزاق عن سفيان الثوري، عن منصور عن إبراهيم، قال نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل، ورضي الله لهذه الأمة بها، رواه ابن جرير) اهـ. [1]
وقال القرطبي في تفسيره: (قال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار) [2] اهـ.
وقال القاسمي في تفسيره: (فكل من ارتشى وبدل الحكم فحكم بغير حكم الله؛ فقد كفر وظلم وفسق، وإليه ذهب السدّيّ؛ لأنه ظاهر الخطاب) [3] اهـ.
(1) تفسير ابن كثير ط دار الكتب العلمية 3\ 108.
(2) تفسير القرطبي 6\ 190.
(3) محاسن التأويل للقاسمي 4\ 147.