فنقول هذا الأثر الذي صحّحه الحاكم وجزم بأنه على شرط الصحيحين ليس بصحيح وإنّما هو -وفق قواعد أهل الحديث- أثر ضعيف، وليس من شرط الشيخين لا من قريب ولا من بعيد، ذلك أن علة هذا الأثر هو وجود أحد الرواة الذين حكم عليهم جهابذة هذا الفن بالضعف بل قال فيه بعضهم"ضعيف جدًا"، وهو هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ.
فهشام بن حجير ضعيف إلّا أنه مع ضعفه يؤخذ حديثه متابعةً، فحديثه ليس صالح للإستدلال به منفردَا وإنّما صالح للإعتبار، وفرق شاسع بين قولنا صالح للإعتبار وقولنا صالح للإحتجاج، فقولنا صالح للإحتجاج يعني أنه حُجّة سواء جاء من يتابعه ويوافقه على قوله أو تفرد به. أمّا صالح للإعتبار أنه يؤخذ كمتابع لغيره، أما إذا تفرد فلا يقبل حديثه ولا كرامة.
وهذا الأمر ينطبق على هشام بن حجير؛ فهو صالح للإعتبار فإذا أخرج له البخاري ومسلم فإنّما أخرجا له متابعةً مقرونًا بغيره، ولم يخرجا له منفردًا.
فبالفعل البخاري ومسلم رويا لهذا الرجل ولكنهم رويا له متابعةً؛ فالبخاري أخرج له حديثًأ واحدًا تابعه عليه غيره وهو عبد الله بن طاووس، ومسلم أخرج له أخرج له حديثين تابعه فيه غيره من الرواة.
وهذا الأمر هو الذي أوقع الحاكم في الخطأ فظن أن رواية الشيخين له توثيق مطلق لهذا الرجل، وهذا خطأ وقع فيه كثير من الحفاظ؛ فإذا رأى أن البخاري ومسلم رويا لرجل فيحكم على هذا الرجل بأنه ثقة لمجرد الرواية عنه في الصحيحين، ويقول أنه قد جاوز القنطرة، وهذا كلام باطل ولا يجري على الجهلة بهذا العلم، لأن البخاري ومسلم أحيانًا يخرجا لرواة الطبقة الثانية وأحيانًا يخرجوا لرواة الطبقة الثالثة ولكنهما يخرجا لهم متابعةً وإقترانًا بغيرها، فيأتي الذي ليس له خبرة تامة فيظن أن ورود هذا الرجل في الصحيحين توثيق كامل له.
وهذه المسألة أشار إليها الحافظ الزيلعي في كتابه المشهور (نصب الراية) ، وذكرها في معرض حديثه عن تساهل الحاكم، يقول الشيخ: