وهنا فائدة وهي أن أهل العلم في القديم والحديث كثيرًا ما يتكلمون عن مخالفيهم الذين أخطأوا الحق في جانب من الجوانب، وكثيرًا ما يتكلمون عن مخالفتهم لمذهب أهل السنة والجماعة في النظر والإستدلال، وكثيرًا ما يقولون أن أخذوا ما يوافقهم وتركوا عن ما يخالفهم، وأنهم يبعضون النصوص، وليس في هذا طعن في دينهم لا من قليل ولا من كثير، ومن له أدنى تأمل في علم الجرح والتعديل أو في الكتب التي تُعْنَى بالترجيح بين الأقوال؛ يرى أن هذه المسألة من المسائل المنتشرة عن أهل العلم، وخاصة إذا كان هذا الرجل المخالف يدّعي التمسك بمذهب أهل السنة والجماعة.
والذي يطلع على كتب أهل العلم يرى أمور أشد من هذا بكثير، ونسوق إليكم أمثلة قليلة جدًا:
يقول إبن القيم في معرض نقده لإبن حزم الإمام العلم العلامة، وإبن القيم جاء بعد إبن حزم بثلاثة قرون، فهذا في القرن الخامس وهذا في القرن الثامن، يقول إبن القيم:
"وأما أبو محمد [أي إبن حزم] فإنه على قدر يبسه وقسوته في التمسك بالظاهر وإلغائه للمعاني والمناسبات والحكم والعلل الشرعية إنماع في باب العشق والنظر وسماع الملاهي المحرمة فوسع هذا الباب جدا وضيق باب المناسبات والمعاني والحكم الشرعية جدا." [1] اهـ.
فهل كلام إبن القيم من باب إتهام للنيات أم أنه محاكمة لظاهر فعله؟ واستمع لكلام شيخ الإسلام إبن تيمية علم الأعلام في مناظرة لطيفة جدًا يجدر الإطلاع عليها، وهو كان يتكلم مع كبار وعلماء عصره من أئمة المذاهب الأربعة، يقول شيخ الإسلام:"ثم قلت للأمير والحاضرين: أنا أعلم أن أقواما يكذبون علي؛ كما قد كذبوا علي غير مرة ... أنا أعلم أن أقواما كذبوا علي وقالوا للسلطان أشياء ... بل قد أطلب الإنصاف منه وأن يحضر هؤلاء الذين يكذبون؛ ليوافقوا على افترائهم" [2] اهـ.
(1) كتاب (روضة المحبين ونزهة المشتاقين) لإبن القيم 1\ 130.
(2) مجموع فتاوى إبن تيمية 3\ 162.