فهرس الكتاب

الصفحة 606 من 698

إذًا كلام إبن عباس على التحقيق إنّما يتنزّل على المناط الفاسد الذي أراد الخوارج أن يُنَزِّلُوا الآية عليه واستدلالهم بها، فكلام إبن عباس يتنزل على تأويل الخوارج للآية وليس على الآية وفرق كبير بين الأمرين، فهم أرادوا أن يستدلوا فيها على مقام آخر، فجاءت تلك المقولة لإبن عباس تصحيحًا لهذا المقام. فالآية ليست في أصحاب الذنوب وفي أصحاب الكبائر، فالكفر الذي يذهبون إليه هو كفر دون كفر.

كذلك كان الخوارج يكفرون الحكام والأمراء والولاء بالجور والظلم، عندما يقع حاكم أو والي أو أمير في الظلم والجور كان الخوارج يكفرونه بهذه الأفعال، ذكر هذا إبن حزم في كتابه (الفصل في الملل والأهواء والنحل) فقال:"وقالت العونية وهم طائفة من البيهسية -من طوائف الخوارج- التي ذكرنا آنفا أن الإمام إذا قضي قضية جور وهو بخراسان أو بغيرها حيث كان من البلاد ففي ذلك الحين نفسه يكفر هو وجميع رعيته حيث كانوا من شرق الأرض وغربها ولو بالأندلس واليمن فما بين ذلك من البلاد" [1] اهـ.

والشاهد من الكلام أن الخوارج كانوا يكفرون بمطلق المعصية، وكانوا يكفرون بالظلم والجور المجرد عن فعل المكفرات.

يقول كذلك الشيخ محمد شاكر الشريف في كتابه (إن الحكم إلا لله) :"وكان من منهج الخوارج أن مرتكب الكبيرة كافر، فإذا رأوا أحدا جار في حكمه أو ظلم حكموا بكفره، انطلاقا من فهمهم من قوله تعالى (وَمَنْلَمْيَحْكُمْبِمَاأَنْزَلَاللَّهُفَأُولَئِكَهُمُالْكَافِرُونَ) "اهـ.

والذي يهمنا من هذا أن الخوارج كانوا يستدلوا بهذه الآية (وَمَنْلَمْيَحْكُمْبِمَاأَنْزَلَاللَّهُفَأُولَئِكَهُمُالْكَافِرُونَ) على كفر الظالم، ولذلك جاء الصحابة والتابعين ليردّوا إليهم تلك المقولة فقالوا لهم: (كفر دون كفر) ، ومن تلك الأمثلة ما ذكرناه من قبل من قصة القاضي الجائر بلال بن أبي بردة.

(1) كتاب (الفصل في الملل والأهواء والنحل) إبن حزم 4\ 145

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت