فهرس الكتاب
الأمر الآخر أنهم جعلوا جميع الأعمال من الذنوب غير المكفرة، فالذنوب على نوعين منها ما هو مكفر ومنها ما هو غير مكفر، منها ما هو من مطلق الذنوب والمعاصي كالزنا والربا وشرب الخمر ومنها ما هو من الأعمال المكفرة، فالذنوب الأولى مفسقة لا تخرج صاحباه من الملة، أما تلك الذنوب فهي ذنوب مكفّرة بمعنى أن الذي يرتكبها يخرج من دائرة الإسلام.
وهذا ما أشار إليه الإمام إبن القيم في كتابه (الصلاة) ؛ فتكلم عن هذين النوعين فقال:"وأما كفر العمل فينقسم إلى ما يضاد الإيمان وإلى ما لا يضاده، فالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي وسبه يضاد الإيمان" [1] اهـ.
وقوله هذا يذكرنا بكلام للشيخ الشنقيطي عندما قال:"الإشراك بالله في حكمه والإشراك بالله في عبادته كلها بمعنى واحد، لا فرق بينها البتة، فالذي يتبع نظام غير نظام الله وتشريع غير تشريع الله -أو غير ما شرعه الله- وقانون مخالف لشرع الله من وضع البشر معرضًا عن نور السماء الذي أنزله على رسوله؛ من كان يفعل هذا هو ومن ومن كان يعبد الصنم و يسجد للوثن لا فرق بينها البتة بوجه من الوجوه، فهما واحد، كلاهما مشرك بالله، هذا أشرك به في عبادته وهذا أشرك به في حكمه، كلاهما سواء" [2] .
فهؤلاء القوم فهموا مصطلح (كفر الإعتقاد) خطأ، فكر الإعتقاد هو الكفر الأكبر والذي يشمل الكفر بالإعتقاد وكفر الشك ويشمل كفر الإباء والإستكبار والإعراض.
وكذلك أشار إلى تلك القاعدة الإمام محمد بن نصر المروزي في كتابه (تعظيم قدر الصلاة) :"الكفر كفران: كفر هو جحد بالله وبما قال فذلكضده الإقرار بالله والتصديق به وبما قال، وكفر هو عمل ضد الإيمان الذي هو عمل" [3] اهـ.
(1) كتاب (حكم الصلاة وتاركها) لإبن القيم صـ 57.
(2) كتاب (العذب النمير من مجالس الشيخ الشنقيطي في تفسيره 5\ 440) وهو تفريغ لدروس الشيخ، والكلام مسجل صوتًا.
(3) كتاب (تعظيم قدر الصلاة) لمحمد بن نصر المروزي 2\ 518.