نتكلم عن قول آخر ضل فيه هؤلاء المرجئة، وبداية نقول هذه المقولة هي مقولة خاطئة تجري أصول المرجئة، سواء كان مرجئة الفقهاء أو مرجئة الجهمية، وبالإضافة إلى كونه قولًا خاطئًا فقد أساؤوا فهم هذا القول، نقصد قول الطحاوي: [ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه]
وبدايةً نقول أن الطحاوي -رحمه الله وغفر الله له- يجري في عقيدته باب الإيمان على أصول مرجئة الفقهاء، كما نبه على ذلك شارح الطحاوية وكما نبه على ذلك غير واحد من أهل العلم المعاصرين، وهو بنفسه عرّف الإيمان فقال هو (إقرار باللسان وتصديق بالجنان) ، فأخرج العمل من تعريف الإيمان، وهذا التعريف هو تعريف المرجئة للإيمان.
فهذه ملاحظة أولية أن الطحاوي عندما يتكلم عن أبواب الإيمان فإنما يتكلم بناءًا على أصول مرجئة الفقهاء في تعريفهم ومفهومهم للإيمان، كأبي حنيفة ومن سار على قولهم، وقد نبه على ذلك شارح الطحاوية، ونبه عليه كذلك الشيخ إبن باز في كتابه (تعليقات على متن العقيدة الطحاوية) ، وسيأتي معنا كلامه إن شاء الله.
ولو تأملنا هذه المقولة [ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه] نجد أن الطحاوي حصر أبواب الكفر في باب واحد هو الجحود، وهذا الكلام لا يستقيم كما بيّنا، ونحن ذكرنا من قبل كلام الشيخ إبن تيمية أن الكفر لا ينحصر في الجحود وأن الكفر له أبواب أخر، وأنّ الكفر قد يكون بالجحود والذي هو غياب التصديق القلبي، وقد يتوفر التصديق القلبي بل قد يتوفر في أعلى درجاته أي درجة اليقين بنص قوله تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ) [1] ، يقول إبن عباس فيما أخرجه عنه الطبري: (يقينهم في قلوبهم.) [2]
(1) سورة النمل\14.
(2) تفسير الطبري تحقيق أحمد شاكر طـ الرسالة 19\ 436.