فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 358

1 -كتاب بدء الوحي[1]

بدأ «إنما الأعمال بالنيات» كافتتاحية للكتاب، وهذه المناسبة معروفة بأنها استحضار الإخلاص في العمل [2] .

(1) قال الحافظ في (الفتح) : قال البُخارِيّ رحِمهُ اللّه تعالى ورضِي اللّه عنهُ: (بِسمِ اللّه الرّحمن الرّحِيم. كيف كان بدء الوحي إِلى رسُول اللّه - صلى الله عليه وسلم -) . وقد اُعتُرِض على المُصنِّف لِكونِهِ لم يفتتِح الكِتاب بِخُطبةٍ تُنبِئ عن مقصُوده مُفتتحة بِالحمدِ والشّهادة اِمتِثالًا لِقولِهِ - صلى الله عليه وسلم: (كُلّ أمر ذِي بال لا يُبدأ فِيهِ بِحمدِ اللّه فهُو أقطع) وقوله: (كُلّ خُطبة ليس فِيها شهادة فهِي كاليدِ الجذماء) أخرجهُما أبُو داوُد وغيره مِن حدِيث أبِي هُريرة.

والجواب عن الأوّل: أنّ الخُطبة لا يتحتّم فِيها سِياق واحِد يمتنِع العُدُول عنهُ، بل الغرض مِنها الِافتِتاح بِما يدُلّ على المقصُود، وقد صدّر الكِتاب بِترجمةِ بدء الوحي وبِالحدِيثِ الدّالّ على مقصُوده المُشتمِل على أنّ العمل دائِر مع النِّيّة فكأنّهُ يقُول: قصدت جمع وحي السُّنّة المُتلقّى عن خير البرِيّة على وجه سيظهرُ حُسن عملِي فِيهِ مِن قصدِي، وإِنّما لِكُلِّ اِمرِئ ما نوى، فاكتفى بِالتّلوِيحِ عن التّصرِيح، وقد سلك هذِهِ الطّرِيقة فِي مُعظم تراجِم هذا الكِتاب على ما سيظهرُ بِالِاستِقراءِ.

والجواب عن الثّانِي: أنّ الحدِيثينِ ليسا على شرطه، بل فِي كُلّ مِنهُما مقال، وإن سلّمنا صلاحِيّتهما لِلحُجّةِ لكِن ليس فِيهِما أنّ ذلِك يتعيّن بِالنُّطقِ والكِتابة معًا، فلعلّهُ حمِد وتشهّد نُطقًا عِند وضع الكِتاب ولم يكتُب ذلِك اِقتِصارًا على البسملة؛ لِأنّ القدر الّذِي يجمع الأُمُور الثّلاثة ذِكر اللّه وقد حصل بِها، ويُؤيِّدهُ أنّ أوّل شيء نزل مِن القُرآن (اِقرأ بِاسمِ ربّك) فطرِيق التّأسِّي بِهِ الِافتِتاح بِالبسملةِ والِاقتِصار عليها، لا سِيّما وحِكاية ذلِك مِن جُملة ما تضمّنهُ هذا الباب الأوّل، بل هُو المقصُود بِالذّاتِ مِن أحادِيثه.

ويُؤيِّدهُ أيضًا وُقُوع كُتُب رسُول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إِلى المُلُوك وكُتُبه فِي القضايا مُفتتحة بِالتّسمِيةِ دُون حمدلة وغيرها.

وهذا يُشعِر بِأنّ لفظ الحمد والشّهادة إِنّما يُحتاج إِليهِ فِي الخُطب دُون الرّسائِل والوثائِق، فكأنّ المُصنِّف لمّا لم يفتتِح كِتابه بِخُطبة أجراهُ مجرى الرّسائِل إِلى أهل العِلم لِينتفِعُوا بِما فِيهِ تعلُّمًا وتعلِيمًا، وقد أجاب من شرح هذا الكِتاب بِأجوِبة أُخر فِيها نظر. اهـ بتصرف.

(2) إيراد البخاري للحديث في كتاب بدء الوحي: قد اُعتُرِض على المُصنِّف فِي إِدخاله حدِيث الأعمال هذا فِي ترجمة بدء الوحي وأنّهُ لا تعلُّق لهُ بِهِ أصلًا، بِحيثُ إِنّ الخطّابِيّ فِي شرحه والإِسماعِيلِيّ فِي مُستخرجه أخرجاهُ قبل التّرجمة لِاعتِقادِهِما أنّهُ إِنّما أوردهُ لِلتّبرُّكِ بِهِ فقط، واستصوب أبُو القاسِم بن منده صنِيع الإِسماعِيلِيّ فِي ذلِك، وقال اِبن رشِيد: لم يقصِد البُخارِيّ بِإِيرادِهِ سِوى بيان حُسن نِيّته فِيهِ فِي هذا التّألِيف، وقد تُكُلِّفت مُناسبته لِلتّرجمةِ، فقال: كُلّ بِحسبِ ما ظهر لهُ. اِنتهى.

وقد قِيل: إِنّهُ أراد أن يُقِيمهُ مقام الخُطبة لِلكِتابِ؛ لِأنّ فِي سِياقه أنّ عُمر قالهُ على المِنبر بِمحضرِ الصّحابة، فإِذا صلح أن يكُون فِي خُطبة المِنبر صلح أن يكُون فِي خُطبة الكُتُب. وحكى المُهلّب أنّ النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - خطب بِهِ حِين قدِم المدِينة مُهاجِرًا، فناسب إِيراده فِي بدء الوحي؛ لِأنّ الأحوال الّتِي كانت قبل الهِجرة كانت كالمُقدِّمةِ لها لِأنّ بِالهِجرةِ اُفتُتِح الإِذن فِي قِتال المُشرِكِين، ويعقُبهُ النّصر والظّفر والفتح اِنتهى.

وهذا وجه حسن، إِلّا أنّنِي لم أر ما ذكرهُ -مِن كونه - صلى الله عليه وسلم - خطب بِهِ أوّل ما هاجر.

وقد وقع فِي باب ترك الحِيل بِلفظِ: سمِعت رسُول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يقُول: (يا أيّها النّاس إِنّما الأعمال بِالنِّيّةِ) الحدِيث، ففِي هذا إِيماء إِلى أنّهُ كان فِي حال الخُطبة، أمّا كونه كان فِي اِبتِداء قُدُومه إِلى المدِينة فلم أر ما يدُلّ عليهِ، ولعلّ قائِله اِستند إِلى ما رُوِي فِي قِصّة مُهاجِر أُمّ قيس، قال اِبن دقِيق العِيد: نقلُوا أنّ رجُلًا هاجر مِن مكّة إِلى المدِينة لا يُرِيد بِذلِك فضِيلة الهِجرة وإِنّما هاجر لِيتزوّج اِمرأة تُسمّى أُمّ قيس، فلِهذا خُصّ فِي الحدِيث ذِكر المرأة دُون سائِر ما يُنوى بِهِ، اِنتهى.

وهذا لو صحّ لم يستلزِم البُداءة بِذِكرِهِ أوّل الهِجرة النّبوِيّة. وقِصّة مُهاجِر أُمّ قيس رواها سعِيد مِن منصُور قال أخبرنا أبُو مُعاوِية عن الأعمش عن شقِيق عن عبد اللّه -هُو اِبن مسعُود- قال: من هاجر يبتغِي شيئًا فإِنّما لهُ ذلِك، هاجر رجُل لِيتزوّج اِمرأة يُقال لها أُمّ قيس فكان يُقال لهُ مُهاجِر أُمّ قيس ورواهُ الطّبرانِيّ مِن طرِيق أُخرى عن الأعمش بِلفظِ: كان فِينا رجُل خطب اِمرأة يُقال لها أُمّ قيس فأبت أن تتزوّجهُ حتّى يُهاجِر فهاجر فتزوّجها، فكُنّا نُسمِّيه مُهاجِر أُمّ قيس. وهذا إِسناد صحِيح على شرط الشّيخينِ، لكِن ليس فِيهِ أنّ حدِيث الأعمال سِيق بِسببِ ذلِك، ولم أر فِي شيء مِن الطُّرُق ما يقتضِي التّصرِيح بِذلِك.

وأيضًا فلو أراد البُخارِيّ إِقامته مقام الخُطبة فقط أو الِابتِداء بِهِ تيمُّنًا وترغِيبًا فِي الإِخلاص لكان ساقهُ قبل التّرجمة كما قال الإِسماعِيلِيّ وغيره ونقل اِبن بطّال عن أبِي عبد اللّه بن النّجّار قال: التّبوِيب يتعلّق بِالآيةِ والحدِيث معًا؛ لِأنّ اللّه تعالى أوحى إِلى الأنبِياء ثُمّ إِلى مُحمّد - صلى الله عليه وسلم - أنّ الأعمال بِالنِّيّاتِ لِقولِهِ تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (البينة: 5) .

وقال أبُو العالِية فِي قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} (الشورى: 13) قال: وصّاهُم بِالإِخلاصِ فِي عِبادته.

وعن أبِي عبد الملِك البونِيّ قال: مُناسبة الحدِيث لِلتّرجمةِ أنّ بدء الوحي كان بِالنِّيّةِ؛ لِأنّ اللّه تعالى فطر مُحمّدًا على التّوحِيد وبغّض إِليهِ الأوثان ووهب لهُ أوّل أسباب النُّبُوّة وهِي الرُّؤيا الصّالِحة، فلمّا رأى ذلِك أخلص إِلى اللّه فِي ذلِك فكان يتعبّد بِغارِ حِراء فقبِل اللّه عمله وأتمّ لهُ النِّعمة.

وقال المُهلّب ما مُحصّله: قصد البُخارِيّ الإِخبار عن حال النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فِي حال منشئِهِ وأنّ اللّه بغّض إِليهِ الأوثان وحبّب إِليهِ خِلال الخير ولُزُوم الوحدة فِرارًا مِن قُرناء السُّوء، فلمّا لزِم ذلِك أعطاهُ اللّه على قدر نِيّته ووهب لهُ النُّبُوّة كما يُقال الفواتِح عُنوان الخواتِم.

ولخّصهُ بِنحوٍ مِن هذا القاضِي أبُو بكر بن العربِيّ.

وقال اِبن المُنِير فِي أوّل التّراجِم: كان مُقدِّمة النُّبُوّة فِي حقّ النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - الهِجرة إِلى اللّه تعالى بِالخلوةِ فِي غار حِراء فناسب الِافتِتاح بِحدِيثِ الهِجرة.

ومِن المُناسبات البدِيعة الوجِيزة ما تقدّمت الإِشارة إِليهِ أنّ الكِتاب لمّا كان موضُوعًا لِجمعِ وحي السُّنّة صدّرهُ بِبدءِ الوحي، ولمّا كان الوحي لِبيانِ الأعمال الشّرعِيّة صدّرهُ بِحدِيثِ الأعمال، ومع هذِهِ المُناسبات لا يلِيق الجزم بِأنّهُ لا تعلُّق لهُ بِالتّرجمةِ أصلًا. واللّه يهدِي من يشاء إِلى صِراط مُستقِيم. اهـ من (الفتح) بتصرف يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت