فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 358

واعتبار هذا الصيد «موقوذة» .

الثانية: التسمية على الكلب المعلم في حال الصيد تجزئ عن التسمية على الذبيحة نفسها في غير حال الصيد.

71 -كتاب الأضاحي[1]

(1) الأُضحِيّةُ بِتشدِيدِ الياءِ وبِضمِّ الهمزةِ أو كسرِها، وجمعُها الأضاحِيُّ بِتشدِيدِ الياءِ أيضًا، ويُقالُ لها: الضّحِيّةُ بِفتحِ الضّادِ وتشدِيدِ الياءِ، وجمعُها الضّحايا، ويُقالُ لها أيضًا: الأضحاةُ بِفتحِ الهمزةِ وجمعُها الأضحى، وهُو على التّحقِيقِ اسمُ جِنسٍ جمعِيٍّ، وبِها سُمِّي يومُ الأضحى، أي اليومُ الّذِي يُضحِّي فِيهِ النّاسُ.

وقد عرّفها اللُّغوِيُّون بِتعرِيفينِ: (أحدُهُما) الشّاةُ الّتِي تُذبحُ ضحوةً، أي وقت ارتِفاعِ النّهارِ والوقت الّذِي يلِيهِ، وهذا المعنى نقلهُ صاحِبُ اللِّسانِ عن ابنِ الأعرابِيِّ. (وثانِيهُما) الشّاةُ الّتِي تُذبحُ يوم الأضحى، وهذا المعنى ذكرهُ صاحِبُ اللِّسانِ أيضًا.

أمّا معناها فِي الشّرعِ: فهُو ما يُذكّى تقرُّبًا إلى اللّهِ تعالى فِي أيّامِ النّحرِ بِشرائِط مخصُوصةٍ. فليس، مِن الأُضحِيّةِ ما يُذكّى لِغيرِ التّقرُّبِ إلى اللّهِ تعالى، كالذّبائِحِ الّتِي تُذبحُ لِلبيعِ أو الأكلِ أو إكرامِ الضّيفِ، وليس مِنها ما يُذكّى فِي غيرِ هذِهِ الأيّامِ، ولو لِلتّقرُّبِ إلى اللّهِ تعالى، وكذلِك ما يُذكّى بِنِيّةِ العقِيقةِ عن المولُودِ، أو جزاءِ التّمتُّعِ أو القِرانِ فِي النُّسُكِ، أو جزاءِ تركِ واجِبٍ أو فِعلِ محظُورٍ فِي النُّسُكِ، أو يُذكّى بِنِيّةِ الهديِ.

والأُضحِيّةُ مشرُوعةٌ إجماعًا بِالكِتابِ والسُّنّةِ:

أمّا الكِتابُ فقولُهُ تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} قِيل فِي تفسِيرِهِ: صلِّ صلاة العِيدِ وانحر البُدن.

وأمّا السُّنّةُ فأحادِيثُ تحكِي فِعلهُ - صلى الله عليه وسلم - لها، وأُخرى تحكِي قولهُ فِي بيانِ فضلِها والتّرغِيبِ فِيها والتّنفِيرِ مِن تركِها. فمِن ذلِك ما صحّ مِن حدِيثِ أنسِ بنِ مالِكٍ رضي الله عنه أنّهُ قال: ضحّى النّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِكبشينِ أملحينِ أقرنينِ، ذبحهُما بِيدِهِ، وسمّى وكبّر، ووضع رِجلهُ على صِفاحِهِما. وأحادِيثُ أُخرى سيأتِي بعضُها مِنها قولُهُ - صلى الله عليه وسلم: من كان لهُ سعةٌ ولم يُضحِّ فلا يقربنّ مُصلّانا.

وقد شُرِعت التّضحِيةُ فِي السّنةِ الثّانِيةِ مِن الهِجرةِ النّبوِيّةِ، وهِي السّنةُ الّتِي شُرِعت فِيها صلاةُ العِيدينِ وزكاةُ المالِ.

أمّا حِكمةُ مشرُوعِيّتِها، فهِي شُكرًا لِلّهِ تعالى على نِعمةِ الحياةِ، وإِحياءُ سُنّةِ سيِّدِنا إبراهِيم الخلِيلِ عليه الصلاة والسلام حِين أمرهُ اللّهُ عزّ اسمُهُ بِذبحِ الفِداءِ عن ولدِهِ إسماعِيل عليه الصلاة والسلام فِي يومِ النّحرِ، وأن يتذكّر المُؤمِنُ أنّ صبر إبراهِيم وإِسماعِيل عليهما السلام وإِيثارهُما طاعة اللّهِ ومحبّتهُ على محبّةِ النّفسِ والولدِ كانا سبب الفِداءِ ورفع البلاءِ، فإِذا تذكّر المُؤمِنُ ذلِك اقتدى بِهِما فِي الصّبرِ على طاعةِ اللّهِ وتقدِيمِ محبّتِهِ عزّ وجلّ على هوى النّفسِ وشهوتِها.

وقد يُقالُ: أيُّ علاقةٍ بين إراقةِ الدّمِ وبين شُكرِ المُنعِمِ عزّ وجلّ والتّقرُّبِ إليهِ؟ والجوابُ مِن وجهينِ: (أحدُهُما) أنّ هذِهِ الإِراقة وسِيلةٌ لِلتّوسِعةِ على النّفسِ وأهلِ البيتِ، وإِكرامِ الجارِ والضّيفِ، والتّصدُّقِ على الفقِيرِ، وهذِهِ كُلُّها مظاهِرُ لِلفرحِ والسُّرُورِ بِما أنعم اللّهُ بِهِ على الإِنسانِ، وهذا تحدُّثٌ بِنِعمةِ اللّهِ تعالى كما قال عزّ اسمُهُ: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} . (ثانِيهِما) المُبالغةُ فِي تصدِيقِ ما أخبر بِهِ اللّهُ عزّ وجلّ مِن أنّهُ خلق الأنعام لِنفعِ الإِنسانِ، وأذِن فِي ذبحِها ونحرِها لِتكُون طعامًا لهُ. فإِذا نازعهُ فِي حِلِّ الذّبحِ والنّحرِ مُنازِعٌ تموِيهًا بِأنّهُما مِن القسوةِ والتّعذِيبِ لِذِي رُوحٍ تستحِقُّ الرّحمة والإِنصاف، كان ردُّهُ على ذلِك أنّ اللّه عزّ وجلّ الّذِي خلقنا وخلق هذِهِ الحيواناتِ، وأمرنا بِرحمتِها والإِحسانِ إليها، أخبرنا وهُو العلِيمُ بِالغيبِ أنّهُ خلقها لنا وأباح تذكِيتها، وأكّد هذِهِ الإِباحة بِأن جعل هذِهِ التّذكِية قُربةً فِي بعضِ الأحيانِ.

وقد ذهب جُمهُورُ الفُقهاءِ، ومِنهُم الشّافِعِيّةُ والحنابِلةُ، وهُو أرجحُ القولينِ عِند مالِكٍ، وإِحدى رِوايتينِ عن أبُو يُوسُف إلى أنّ الأُضحِيّة سُنّةٌ مُؤكّدةٌ. وهذا قولُ أبِي بكرٍ وعُمر وبِلالٍ وأبِي مسعُودٍ البدرِيِّ وسُويدِ بنِ غفلة وسعِيدِ بنِ المُسيِّبِ وعطاءٍ وعلقمة والأسودِ وإِسحاق وأبِي ثورٍ وابنِ المُنذِرِ.

واستدلّ الجُمهُورُ على السُّنِّيّةِ بِأدِلّةٍ: مِنها قولُهُ عليه الصلاة والسلام: إذا دخل العشرُ، وأراد أحدُكُم أن يُضحِّي فلا يمسّ مِن شعرِهِ ولا مِن بشرِهِ شيئًا. ووجهُ الدّلالةِ فِي هذا الحدِيثِ أنّ الرّسُول - صلى الله عليه وسلم - قال: وأراد أحدُكُم. فجعلهُ مُفوّضًا إلى إرادتِهِ، ولو كانت التّضحِيةُ واجِبةً لاقتصر على قولِهِ: فلا يمسّ مِن شعرِهِ شيئًا حتّى يُضحِّي. ومِنها أيضًا أنّ أبا بكرٍ وعُمر رضي الله عنهما كانا لا يُضحِّيانِ السّنة والسّنتينِ، مخافة أن يُرى ذلِك واجِبًا. وهذا الصّنِيعُ مِنهُما يدُلُّ على أنّهُما علِما مِن الرّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - عدم الوُجُوبِ، ولم يُرو عن أحدٍ مِن الصّحابةِ خِلافُ ذلِك.

وذهب أبُو حنِيفة إلى أنّها واجِبةٌ. وهذا المذهبُ هُو المروِيُّ عن مُحمّدٍ وزُفر وإِحدى الرِّوايتينِ عن أبِي يُوسُف. وبِهِ قال ربِيعةُ واللّيثُ بنُ سعدٍ والأوزاعِيُّ والثّورِيُّ ومالِكٌ فِي أحدِ قوليهِ. واستدلُّوا على ذلِك بِقولِهِ تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} فقد قِيل فِي تفسِيرِهِ صلِّ صلاة العِيدِ وانحر البُدن، ومُطلقُ الأمرِ لِلوُجُوبِ، ومتى وجب على النّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وجب على الأُمّةِ لِأنّهُ قُدوتُها. وبِقولِ النّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم: من كان لهُ سعةٌ ولم يُضحِّ فلا يقربنّ مُصلّانا، وهذا كالوعِيدِ على تركِ التّضحِيةِ، والوعِيدُ إنّما يكُونُ على تركِ الواجِبِ. وبِقولِهِ عليه الصلاة والسلام: من ذبح قبل الصّلاةِ فليذبح شاةً مكانها، ومن لم يكُن ذبح فليذبح على اسمِ اللّهِ، فإِنّهُ أمر بِذبحِ الأُضحِيّةِ وبِإِعادتِها إذا ذُكِّيت قبل الصّلاةِ، وذلِك دلِيلُ الوُجُوبِ. (وللمزيد راجع الموسوعة الفقهية/5/ 82)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت