فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 358

يقوم بها الجهاد؛ ولذلك بدأت سورة الأنفال التي تناقش قضية الجهاد بقول الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1] ولذلك جاء قبل الجهاد مجموعة من الكتب التي تهدف لإصلاح ذات البين؛ لأن هذا الإصلاح شرط للدخول فيه؛ فكان قبل كتاب الجهاد كتاب (الخصومات، اللقطة، المظالم والغصب، الشركة، الرهن، العتق، الهبة، الصلح، الشروط، الوصايا) ، ثم جاء كتاب الجهاد، ثم جاء بعد كتاب الجهاد كتاب فرض الخمس.

57 -كتاب فرض الخُمس[1]

جاء بعد كتاب الجهاد؛ لأن الغنيمة بعد الجهاد واختصاص ذكر فرض الخمس من الغنائم لأهميته ولكون أمر الغنائم بعد فرض الخمس أمر متروك لاجتهاد الحاكم.

(1) (الخُمُس) بِضمّ المُعجمة والمِيم ما يُؤخذُ مِن الغنِيمةِ، والمُراد بِقولِهِ (فرض الخُمُس) أي: وقت فرضه أو كيفِيّة فرضِهِ أو ثُبُوت فرضِهِ، والجُمهُور على أنّ اِبتِداء فرضِ الخُمُس كان بِقولِهِ تعالى (واعلمُوا أنّما غنِمتُم مِن شيءٍ فأنّ لِلّهِ خُمُسهُ ولِلرّسُولِ) الآية وكانت الغنائِمُ تُقسّمُ على خمسةِ أقسام: فيُعزلُ خُمُس مِنها يُصرفُ فِيمن ذُكِر فِي الآيةِ، وكان خُمُس هذا الخُمُسِ لِرسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -، واختُلِف فِيمن يستحِقُّهُ بعدهُ: فمذهبُ الشّافِعِيِّ أنّهُ يُصرفُ فِي المصالِحِ، وعنهُ يُردُّ على الأصنافِ الثّمانِيةِ المذكُورِين فِي الآيةِ وهُو قولُ الحنفِيّةِ مع اِختِلافِهِم فِيهِم، وقِيل يختصُّ بِهِ الخلِيفة، ويُقسّمُ أربعة أخماسِ الغنِيمةِ على الغانِمِين إِلّا السّلب فإِنّهُ لِلقاتِلِ على الرّاجِحِ. اهـ (الفتح)

(2) قال الجوهرِيُّ: الجِزيةُ ما يُؤخذُ مِن أهلِ الذِّمّةِ، والجمعُ الجِزى (بِالكسرِ) مِثلُ لِحيةٍ ولِحًى. وهِي عِبارةٌ عن المالِ الّذِي يُعقدُ الذِّمّةُ عليهِ لِلكِتابِيِّ. وهِي فِعلةٌ مِن الجزاءِ كأنّها جزت عن قتلِهِ. وقال ابنُ منظُورٍ: الجِزيةُ أيضًا خراجُ الأرضِ. قال اللّهُ تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} . وقال النّووِيُّ: الجِزيةُ (بِكسرِ الجِيمِ) جمعُها جِزًى (بِالكسرِ) أيضًا كقِربةٍ وقِربٍ ونحوِهِ، وهِي مُشتقّةٌ مِن الجزاءِ كأنّها جزاءُ إسكانِنا إيّاهُ فِي دارِنا، وعِصمتِنا دمهُ ومالهُ وعِيالهُ. وقِيل: هِي مُشتقّةٌ مِن جزى يجزِي إذا قضى. قال اللّهُ تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} أي لا تقضِي.

وقال الخُوارِزمِيُّ: جزاءُ رُءُوسِ أهلِ الذِّمّةِ جمعُ جِزيةٍ وهُو مُعرّبٌ: كزيتٍ، وهُو الخراجُ بِالفارِسِيّةِ. وقد اختلفت وُجهاتُ نظرِ الفُقهاءِ فِي تعرِيفِ الجِزيةِ اصطِلاحًا تبعًا لِاختِلافِهِم فِي طبِيعتِها، وفِي حُكمِ فرضِها على المغلُوبِين الّذِين فُتِحت أرضُهُم عنوةً (أي قهرًا لا صُلحًا) .

فعرّفها الحنفِيّةُ والمالِكِيّةُ بِأنّها: (اسمٌ لِما يُؤخذُ مِن أهلِ الذِّمّةِ فهُو عامٌّ يشملُ كُلّ جِزيةٍ سواءٌ أكان مُوجِبُها القهر والغلبة وفتح الأرضِ عنوةً، أو عقد الذِّمّةِ الّذِي ينشأُ بِالتّراضِي) . وعرّفها الحِصنِيُّ مِن الشّافِعِيّةِ بِأنّها: (المالُ المأخُوذُ بِالتّراضِي لِإِسكانِنا إيّاهُم فِي دِيارِنا، أو لِحقنِ دِمائِهِم وذرارِيِّهِم وأموالِهِم، أو لِكفِّنا عن قِتالِهِم) .

وعرّفها الحنابِلةُ بِأنّها: (مالٌ يُؤخذُ مِنهُم على وجهِ الصّغارِ كُلّ عامٍ بدلًا عن قتلِهِم وإِقامتِهِم بِدارِنا) . قال القليُوبِيُّ: (تُطلقُ - أي الجِزيةُ - على المالِ وعلى العقدِ وعليهِما معًا) . ويرجع تارِيخُ تشرِيعِ الجِزيةِ فِي الإِسلامِ بعد أن تمّ فتحُ مكّة فِي أواخِرِ السّنةِ الثّامِنةِ لِلهِجرةِ، ودخل النّاسُ فِي دِينِ اللّهِ أفواجًا واستقرّت الجزِيرةُ العربِيّةُ على دِينِ اللّهِ تعالى أمر اللّهُ سُبحانهُ وتعالى رسُولهُ الكرِيم بِمُجاهدةِ أهلِ الكِتابِ مِن اليهُودِ والنّصارى فِي قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} ولِهذا جهّز رسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِقِتالِ الرُّومِ ودعا المُسلِمِين إلى ذلِك، وندب الأعراب الّذِين يسكُنُون حول المدِينةِ المُنوّرةِ إلى قِتالِهِم، فأوعبُوا معهُ واجتمع مِن المُقاتِلةِ نحوُ ثلاثِين ألفًا، وتخلّف بعضُ النّاسِ مِن أهلِ المدِينةِ ومن حولها مِن المُنافِقِين وغيرِهِم. وخرج رسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِمن معهُ يُرِيدُ الشّام فِي السّنةِ التّاسِعةِ لِلهِجرةِ، فبلغ تبُوك ونزل بِها، وأقام فِيها نحوًا مِن عِشرِين يومًا، يُبايِعُ القبائِل العربِيّة على الإِسلامِ، ويعقِدُ المُعاهداتِ مع القبائِلِ الأُخرى على الجِزيةِ إلى أن تمّ خُضُوعُ تِلك المِنطقةِ لِحُكمِ الإِسلامِ.

قال الطّبرِيُّ عِند تفسِيرِ آيةِ الجِزيةِ: (نزلت على رسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي أمرِهِ بِحربِ الرُّومِ، فغزا رسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - بعد نُزُولِها غزوة تبُوك) . ثُمّ ذكر أنّ هذا القول مروِيٌّ عن مُجاهِدِ بنِ جبرٍ. بِهذِهِ الآيةِ تمّ تشرِيعُ الجِزيةِ.

وقد اختلف العُلماءُ فِي وقتِ تشرِيعِها تبعًا لِاختِلافِهِم فِي وقتِ نُزُولِ الآيةِ. فذهب ابنُ القيِّمِ إلى أنّ الجِزية لم تُؤخذ مِن أحدٍ مِن الكُفّارِ إلّا بعد نُزُولِ آيةِ سُورةِ براءةٍ فِي السّنةِ الثّامِنةِ مِن الهِجرةِ. وذهب ابنُ كثِيرٍ فِي تفسِيرِهِ إلى أنّ آية الجِزيةِ نزلت فِي السّنةِ التّاسِعةِ لِلهِجرةِ، حيثُ قال عِند تفسِيرِهِ لِلآيةِ: هذِهِ الآيةُ الكرِيمةُ أوّلُ الأمرِ بِقِتالِ أهلِ الكِتابِ بعدما تمهّدت أُمُورُ المُشرِكِين ودخل النّاسُ فِي دِينِ اللّهِ أفواجًا واستقامت جزِيرةُ العربِ، أمر اللّهُ رسُولهُ بِقِتالِ أهلِ الكِتابينِ، وكان ذلِك فِي سنةِ تِسعٍ. هذا ولم يأخُذ رسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - جِزيةً مِن أحدٍ مِن الكُفّارِ قبل نُزُولِ آيةِ الجِزيةِ، فلمّا نزلت أخذها مِن نصارى نجران، ومجُوسِ هجر، ثُمّ أخذها مِن أهلِ أيلة، وأذرُح، وأهلِ أذرعاتٍ وغيرِها مِن القبائِلِ النّصرانِيّةِ الّتِي تعِيشُ فِي أطرافِ الجزِيرةِ العربِيّةِ. روى أبُو عُبيدٍ - بِسندِهِ - إلى ابنِ شِهابٍ قال: (أوّلُ من أعطى الجِزية أهلُ نجران وكانُوا نصارى) . وذكر ابنُ القيِّمِ فِي زادِ المعادِ: لمّا نزلت آيةُ الجِزيةِ أخذها - أي رسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِن المجُوسِ وأخذها مِن أهلِ الكِتابِ وأخذها مِن النّصارى. ويقصِدُ مجُوس البحرينِ أو مجُوس هجر. روى البُخارِيُّ - بِسندِهِ - إلى المِسورِ بنِ مخرمة قال: إنّ عمرو بن عوفٍ الأنصارِيّ وهُو حلِيفٌ لِبنِي عامِرِ بنِ لُؤيٍّ، وكان شهِد بدرًا أخبرهُ أنّ رسُول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا عُبيدة إلى البحرينِ يأتِي بِجِزيتِها، وكان رسُولُ اللّهِ هُو صالح أهل البحرينِ، وأمّر عليهِم العلاء بن الحضرمِيِّ. وبعد أنّ أخذها - صلى الله عليه وسلم - مِن نصارى نجران ومجُوسِ هجر أخذها مِن بعضِ القبائِلِ اليهُودِيّةِ، والنّصرانِيّة فِي تبُوك فِي السّنةِ التّاسِعةِ لِلهِجرةِ فأخذها مِن أهلِ أيلة حيثُ قدِم يُوحنّا بنُ رُؤبة على رسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي تبُوك، وصالحهُ على كُلِّ حالِمٍ بالِغٍ بِأرضِهِ فِي السّنةِ دِينارٌ، واشترط عليهِم قِرى من مرّ بِهِم مِن المُسلِمِين، وكتب لهُم كِتابًا بِأن يُحفظُوا ويُمنعُوا. وأخذها مِن أهلِ أذرُح وأهلِ الجرباءِ وأهلِ تبالة وجرش، وأهلِ أذرعاتٍ وأهلِ مقنا، وكان أهلُها يهُودًا، فصالحهُم رسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - على رُبُعِ غُزُولِهِم وثِمارِهِم وما يصطادُون على العرُوكِ. وأخذها رسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلِك مِن أهلِ اليمنِ، حيثُ أرسل مُعاذ بن جبلٍ إليهِم. فقال مُعاذٌ: (بعثنِي رسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمنِ وأمرنِي أن آخُذ مِن كُلِّ حالِمٍ دِينارًا) . وروى أبُو عُبيدٍ كِتاب الرّسُولِ إلى أهلِ اليمنِ حيثُ جاء فِيهِ: مِن مُحمّدٍ إلى أهلِ اليمنِ .. وأنّهُ من أسلم مِن يهُودِيٍّ أو نصرانِيٍّ فإِنّهُ مِن المُؤمِنِين، لهُ ما لهُم وعليهِ ما عليهِم، ومن كان على يهُودِيّتِهِ أو نصرانِيّتِهِ فإِنّهُ لا يُفتنُ عنها وعليهِ الجِزيةُ.

وقد ثبتت مشرُوعِيّةُ الجِزيةِ بِالكِتابِ والسُّنّةِ والإِجماعِ:

أمّا الكِتابُ: فقولُهُ تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} . فالآيةُ تدُلُّ على مشرُوعِيّةِ أخذِ الجِزيةِ مِن أهلِ الكِتابِ الّذِين وصفهُم اللّهُ تعالى بِالصِّفاتِ المذكُورةِ فِيها. ولِهذا شرع اللّهُ مُجاهدة الكافِرِين، ومُقاتلتهُم حتّى يرجِعُوا عن تِلك الصِّفاتِ، ويدخُلُوا الدِّين الحقّ، أو يُعطُوا الجِزية عن يدٍ وهُم صاغِرُون.

وأمّا السُّنّةُ: فقد وردت أحادِيثُ كثِيرةٌ سبق بعضُها. ومِنها ما روى مُسلِمٌ وغيرُهُ عن بُريدة. كان رسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا أمّر أمِيرًا على جيشٍ أو سرِيّةٍ أوصاهُ فِي خاصّةِ نفسِهِ بِتقوى اللّهِ ومن معهُ مِن المُسلِمِين خيرًا. ثُمّ قال: اُغزُوا بِاسمِ اللّهِ. فِي سبِيلِ اللّهِ. قاتِلُوا من كفر بِاللّهِ. اُغزُوا ولا تغُلُّوا ولا تغدِرُوا ولا تُمثِّلُوا ولا تقتُلُوا ولِيدًا. وإِذا لقِيت عدُوّك مِن المُشرِكِين فادعُهُم إلى ثلاثِ خِصالٍ أو خِلالٍ. فأيّتُهُنّ ما أجابُوك فاقبل مِنهُم وكُفّ عنهُم، ثُمّ اُدعُهُم إلى الإِسلامِ. فإِن أجابُوك فاقبل مِنهُم وكُفّ عنهُم، ثُمّ اُدعُهُم إلى التّحوُّلِ عن دارِهِم إلى دارِ المُهاجِرِين. وأخبِرهُم أنّهُم إن فعلُوا ذلِك فلهُم ما لِلمُهاجِرِين، وعليهِم ما على المُهاجِرِين، فإِن أبوا أن يتحوّلُوا مِنها فأخبِرهُم أنّهُم يكُونُون كأعرابِ المُسلِمِين، يجرِي عليهِم حُكمُ اللّهِ الّذِي يجرِي على المُؤمِنِين، ولا يكُونُ لهُم فِي الغنِيمةِ والفيءِ شيءٌ، إلّا أن يُجاهِدُوا مع المُسلِمِين، فإِن هُم أبوا فسلهُم الجِزية، فإِن هُم أجابُوك فاقبل مِنهُم وكُفّ عنهُم فإِن هُم أبوا فاستعِن بِاللّهِ وقاتِلهُم. فقولُهُ: فإِن هُم أبوا فسلهُم الجِزية. يدُلُّ على مشرُوعِيّةِ الجِزيةِ وإِقرارِها.

أمّا ما ورد مِن أحادِيث تدُلُّ على أنّهُ لا يُقبلُ مِن الكُفّارِ إلّا الإِسلامُ أو السّيفُ: كحدِيثِ: أُمِرت أن أُقاتِل النّاس حتّى يقُولُوا لا إله إلّا اللّهُ فمن قالها فقد عصم مِنِّي نفسهُ ومالهُ إلّا بِحقِّهِ وحِسابُهُ على اللّهِ. فقد ذهب الجُمهُورُ إلى أنّها كانت فِي بِدايةِ الإِسلامِ قبل نُزُولِ آيةِ براءةٍ، وسُورةُ براءةٍ مِن آخِرِ ما نزل مِن القُرآنِ، قال أبُو عُبيدٍ:(وإِنّما تُوجّهُ هذِهِ الأحادِيثُ على أنّ رسُول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - إنّما قال ذلِك فِي بدءِ الإِسلامِ، وقبل أن تنزِل سُورةُ براءةٍ، ويُؤمر فِيها بِقبُولِ الجِزيةِ فِي قوله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} ، وإِنّما نزل هذا فِي آخِرِ الإِسلامِ.

وأمّا الإِجماعُ: فقد أجمع العُلماءُ على جوازِ أخذِها فِي الجُملةِ، وقد أخذها أبُو بكرٍ وعُمرُ رضي الله عنهما وسائِرُ الخُلفاءِ دُون إنكارٍ مِن أحدٍ مِن المُسلِمِين فكان إجماعًا.

والحِكمةُ مِن مشرُوعِيّةِ الجِزيةِ أمور:

1 -الجِزيةُ علامةُ خُضُوعٍ وانقِيادٍ لِحُكمِ المُسلِمِين: قال ابنُ منظُورٍ: قولُهُ عزّ وجلّ: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ} قِيل: معناهُ عن ذُلٍّ وعن اعتِرافٍ لِلمُسلِمِين بِأنّ أيدِيهُم فوق أيدِيهِم، وقِيل عن يدٍ: أي عن إنعامٍ عليهِم بِذلِك؛ لِأنّ قبُول الجِزيةِ وترك أنفُسِهِم عليهِم نِعمةٌ عليهِم ويدٌ مِن المعرُوفِ جزِيلةٌ. وقِيل: عن يدٍ أي عن قهرٍ وذُلٍّ واستِسلامٍ كما تقُولُ: اليدُ فِي هذا لِفُلانٍ أي الأمرُ النّافِذُ لِفُلانٍ. ورُوِي عن عُثمان البزِّيِّ: عن يدٍ قال: نقدًا عن ظهرِ يدٍ ليس بِنسِيئةٍ وقال أبُو عُبيدة: كُلُّ من أطاع لِمن قهرهُ فأعطاهُ عن غيرِ طِيبةِ نفسِهِ، فقد أعطاها عن يدٍ .. ) . وقد ذكر المُفسِّرُون هذِهِ المعانِي عِند تفسِيرِ قوله تعالى: {عَنْ يَدٍ} ، فقال النّيسابُورِيُّ: {عَنْ يَدٍ} إن أُرِيد بِها يدُ المُعطِي فالمُرادُ: عن يدٍ مُؤاتِيةٍ غيرِ مُمتنِعةٍ، يُقالُ أعطى بِيدِهِ إذا انقاد وأصحب، أو المُرادُ حتّى يُعطُوها عن يدٍ إلى يدٍ نقدًا غير نسِيئةٍ ولا مبعُوثًا على يدِ أحدٍ. وإِن أُرِيد بِها يدُ الآخِذِ فمعناهُ حتّى يُعطُوها عن يدٍ قاهِرةٍ مُستولِيةٍ أي بِسببِها، أو المُرادُ عن إنعامٍ عليهِم، فإِنّ قبُول الجِزيةِ مِنهُم بدلًا عن أرواحِهِم نِعمةٌ عظِيمةٌ عليهِم. وفسّر الشّافِعِيُّ الصّغار بِإِجراءِ حُكمِ الإِسلامِ عليهِم حيثُ قال: سمِعت رِجالًا مِن أهلِ العِلمِ يقُولُون: الصّغارُ أن يجرِي عليهِم حُكمُ الإِسلامِ وما أشبه ما قالُوا بِما قالُوا، لِامتِناعِهِم مِن الإِسلامِ. فإِذا جرى عليهِم حُكمُهُ فقد أصغرُوا بِما يجرِي عليهِم مِنهُ، فعلى هذا المعنى يكُونُ دفعُ الجِزيةِ مِن الكافِرِين والخُضُوعُ لِسُلطانِ المُسلِمِين مُوجِبًا لِلصّغارِ.

2 -الجِزيةُ وسِيلةٌ لِهِدايةِ أهلِ الذِّمّةِ: قال القرافِيُّ: (إنّ قاعِدة الجِزيةِ مِن بابِ التِزامِ المفسدةِ الدُّنيا لِدفعِ المفسدةِ العُليا وتوقُّعِ المصلحةِ، وذلِك هُو شأنُ القواعِدِ الشّرعِيّةِ، بيانُهُ: أنّ الكافِر إذا قُتِل انسدّ عليهِ بابُ الإِيمانِ، وبابُ مقامِ سعادةِ الإِيمانِ، وتحتّم عليهِ الكُفرُ والخُلُودُ فِي النّارِ، وغضبُ الدّيّانِ، فشرع اللّهُ الجِزية رجاء أن يُسلِم فِي مُستقبلِ الأزمانِ، لا سِيّما بِاطِّلاعِهِ على محاسِنِ الإِسلامِ) . وتظهرُ هذِهِ الحِكمةُ فِي تشرِيعِ الجِزيةِ مِن جانِبينِ: الأوّلُ: الصّغارُ الّذِي يلحقُ أهل الذِّمّةِ عِند دفعِ الجِزيةِ. وقال الكِيا الهِرّاسِيُّ فِي أحكامِ القُرآنِ:(فكما يقترِنُ بِالزّكاةِ المدحُ والإِعظامُ والدُّعاءُ لهُ، فيقترِنُ بِالجِزيةِ الذُّلُّ والذّمُّ، ومتى أُخِذت على هذا الوجهِ كان أقرب إلى أن لا يثبُتُوا على الكُفرِ لِما يتداخلُهُم مِن الأنفةِ والعارِ، وما كان أقرب إلى الإِقلاعِ عن الكُفرِ فهُو أصلحُ فِي الحِكمةِ وأولى بِوضعِ الشّرعِ. والثّانِي: ما يترتّبُ على دفعِ الجِزيةِ مِن إقامةٍ فِي دارِ الإِسلامِ واطِّلاعٍ على محاسِنِهِ. وقال الحطّابُ -فِي بيانِ الحِكمةِ-: الحِكمةُ فِي وضعِ الجِزيةِ أنّ الذُّلّ الّذِي يلحقُهُم يحمِلُهُم على الدُّخُولِ فِي الإِسلامِ مع ما فِي مُخالطةِ المُسلِمِين مِن الِاطِّلاعِ على محاسِنِ الإِسلامِ.

3 -الجِزيةُ وسِيلةٌ لِلتّخلُّصِ مِن الِاستِئصالِ والِاضطِهادِ.

4 -الجِزيةُ نِعمةٌ عُظمى تُسدى لِأهلِ الذِّمّةِ، فهِي تعصِمُ أرواحهُم وتمنعُ عنهُم الِاضطِهاد، وقد أدرك هذِهِ النِّعمة أهلُ الذِّمّةِ الأوائِلُ، فلمّا ردّ أبُو عُبيدةُ الجِزية على أهلِ حِمص لِعدمِ استِطاعتِهِ توفِير الحِمايةِ لهُم قالُوا لِوُلاتِهِ:) واللّهِ لوِلايتُكُم وعدلُكُم، أحبُّ إلينا مِمّا كُنّا فِيهِ مِن الظُّلمِ والغشمِ فقد أقرّ أهلُ حِمص بِأنّ حُكم المُسلِمِين مع خِلافِهِم لهُم فِي الدِّينِ، أحبُّ إليهِم مِن حُكمِ أبناءِ دِينِهِم، وذلِك لِما ينطوِي عليهِ ذلِك الحُكمُ مِن ظُلمٍ وجورٍ واضطِهادٍ وعدمِ احتِرامٍ لِلنّفسِ الإِنسانِيّةِ. فإِذا قارنّا بين الجِزيةِ بِما انطوت عليهِ مِن صغارٍ، وبين تِلك الأعمالِ الوحشِيّةِ الّتِي يُمارِسُها أهلُ العقائِدِ مع المُخالِفِين لهُم فِي المُعتقدِ، تكُونُ الجِزيةُ نِعمةً مُسداةً إلى أهلِ الذِّمّةِ، ورحمةً مُهداةً إليهِم، وهِي تستلزِمُ شُكر اللّهِ تعالى، والِاعتِراف بِالجمِيلِ لِلمُسلِمِين.

5 -الجِزيةُ مورِدٌ مالِيٌّ تستعِينُ بِهِ الدّولةُ الإِسلامِيّةُ فِي الإِنفاقِ على المصالِحِ العامّةِ والحاجاتِ الأساسِيّةِ لِلمُجتمعِ.

6 -تُعتبرُ الجِزيةُ مورِدًا مالِيًّا مِن موارِدِ الدّولةِ الإِسلامِيّةِ، تُنفِقُ مِنهُ على المصالِحِ العامّةِ والحاجاتِ الأساسِيّةِ لِلمُجتمعِ: كالدِّفاعِ عن البِلادِ، وتوفِيرِ الأمنِ فِي المُجتمعِ، وتحقِيقِ التّكافُلِ الِاجتِماعِيِّ، والمرافِقِ العامّةِ: كبِناءِ المدارِسِ والمساجِدِ والجُسُورِ والطُّرُقِ وغيرِ ذلِك. قال ابنُ العربِيِّ فِي بيانِ الحِكمةِ مِن مشرُوعِيّةِ الجِزيةِ: (فِي أخذِها معُونةٌ لِلمُسلِمِين ورِزقٌ حلالٌ ساقهُ اللّهُ إليهِم) . وجاء فِي مُغنِي المُحتاجِ: (بل هِي نوعُ إذلالٍ لهُم ومعُونةٌ لنا) . وجِبايةُ المالِ ليست هِي الهدفُ الأساسِيُّ مِن تشرِيعِ الجِزيةِ، وإِنّما الهدفُ الأساسِيُّ هُو تحقِيقُ خُضُوعُ أهلِ الذِّمّةِ إلى حُكمِ المُسلِمِين، والعيشُ بين ظهرانيهِم لِيطّلِعُوا على محاسِنِ الإِسلامِ وعدلِ المُسلِمِين، فتكُون هذِهِ المحاسِنُ بِمثابةِ الأدِلّةِ المُقنِعةِ لهُم على الإِقلاعِ عن الكُفرِ والدُّخُولِ فِي الإِسلامِ، والّذِي يُؤيِّدُ ذلِك أنّ الجِزية تسقُطُ عمّن وجبت عليهِ بِمُجرّدِ دُخُولِهِ فِي الإِسلامِ، وأنّ الحُكُومة الإِسلامِيّة لا تُقدِمُ على فرضِ الجِزيةِ على الأفرادِ إلّا بعد تخيِيرِهِم بين الإِسلامِ والجِزيةِ، وهِي تُفضِّلُ دُخُول أهلِ البِلادِ المفتُوحةِ فِي الإِسلامِ وإِعفاءهُم مِن الجِزيةِ على البقاءِ فِي الكُفرِ ودفعِ الجِزيةِ؛ لِأنّها دولةُ هِدايةٍ لا جِبايةٍ. جاء فِي تارِيخِ الطّبرِيِّ عن زِيادِ بنِ جُزءٍ الزُّبيدِيِّ قال: (كتب عُمرُ إلى عمرِو بنِ العاصِ .. فاعرِض على صاحِبِ الإِسكندرِيّة أن يُعطِيك الجِزية على أن تُخيِّرُوا من فِي أيدِيكُم مِن سبيِهِم بين الإِسلامِ وبين دِينِ قومِهِ، فمن اختار مِنهُم الإِسلام فهُو مِن المُسلِمِين لهُ ما لهُم وعليهِ ما عليهِم، ومن اختار دِين قومِهِ وُضِع عليهِ مِن الجِزيةِ ما يُوضعُ على أهلِ دِينِهِ) ثُمّ قال: (فجمعنا ما فِي أيدِينا مِن السّبايا واجتمعت النّصارى، فجعلنا نأتِي بِالرّجُلِ مِمّن فِي أيدِينا، ثُمّ نُخيِّرُهُ بين الإِسلامِ وبين النّصرانِيّةِ، فإِذا اختار الإِسلام كبّرنا تكبِيرةً هِي أشدُّ مِن تكبِيرِنا حِين نفتحُ القرية، ثُمّ نحُوزُهُ إلينا. وإِذا اختار النّصرانِيّة نخرت النّصارى - أي أخرجُوا أصواتًا مِن أُنُوفِهِم - ثُمّ حازُوهُ إليهِم ووضعنا عليهِ الجِزية، وجزِعنا مِن ذلِك جزعًا شدِيدًا حتّى كأنّهُ رجُلٌ خرج مِنّا إليهِم .. فكان ذلِك الدّأبُ حتّى فرغنا مِنهُم) . (وللمزيد راج الموسوعة الفقهية/15/ 161)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت