فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 358

وجاءت قبل الجهاد والسير لأن الجهاد فيه الموت، وذلك يستلزم الوصايا.

56 -كتاب الجهاد [1] والسير [2]

(1) الجِهادُ مصدرُ جاهد، وهُو مِن الجهدِ - بِفتحِ الجِيمِ وضمِّها - أي الطّاقةِ والمشقّةِ، وقِيل: الجهدُ - بِفتحِ الجِيمِ - هُو المشقّةُ، وبِالضّمِّ الطّاقةُ.

والجِهادُ القِتالُ مع العدُوِّ كالمُجاهدةِ، قال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} . وفِي الحدِيثِ الشّرِيفِ: لا هِجرة بعد الفتحِ، ولكِن جِهادٌ ونِيّةٌ. (متفق عليه) . يُقالُ: جاهد العدُوُّ مُجاهدةً وجِهادًا إذا قاتلهُ.

وحقِيقةُ الجِهادِ كما قال الرّاغِبُ: المُبالغةُ واستِفراغُ الوُسعِ فِي مُدافعةِ العدُوِّ بِاليدِ أو اللِّسانِ. أو ما أطاق مِن شيءٍ.

وهُو ثلاثةُ أضرُبٍ: مُجاهدةُ العدُوِّ الظّاهِرِ، والشّيطانِ، والنّفسِ. وتدخُلُ الثّلاثةُ فِي قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} .

وقال ابنُ تيمِيّة: الجِهادُ إمّا أن يكُون بِالقلبِ كالعزمِ عليهِ، أو بِالدّعوةِ إلى الإِسلامِ وشرائِعِهِ، أو بِإِقامةِ الحُجّةِ على المُبطِلِ، أو بِبيانِ الحقِّ وإِزالةِ الشُّبهةِ، أو بِالرّأيِ والتّدبِيرِ فِيما فِيهِ نفعُ المُسلِمِين، أو بِالقِتالِ بِنفسِهِ. فيجِبُ الجِهادُ بِغايةِ ما يُمكِنُهُ. قال البُهُوتِيُّ: ومِنهُ هجوُ الكُفّارِ. كما كان حسّانُ رضي الله عنه يهجُو أعداء النّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -.

والجِهادُ اصطِلاحًا: قِتالُ مُسلِمٍ كافِرًا غير ذِي عهدٍ بعد دعوتِهِ لِلإِسلامِ وإِبائِهِ، إعلاءً لِكلِمةِ اللّهِ.

وفضلُ الجِهادِ عظِيمٌ، وحاصِلُهُ بذلُ الإِنسانِ نفسهُ ابتِغاء مرضاةِ اللّهِ تعالى، وتقرُّبًا بِذلِك إليهِ سُبحانهُ وتعالى. ولقد فضّل اللّهُ المُجاهِدِين على القاعِدِين فِي قولِهِ عزّ وجلّ: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} . وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} . وقوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} .

وقد جاء أنّهُ - صلى الله عليه وسلم - جعلهُ أفضل الأعمالِ بعد الإِيمانِ فِي حدِيثِ أبِي هُريرة قال: سُئِل رسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم: أيُّ العملِ أفضلُ؟ قال: إيمانٌ بِاللّهِ ورسُولِهِ. قِيل: ثُمّ ماذا؟ قال: الجِهادُ فِي سبِيلِ اللّهِ.

وأفضلُ ما يُتطوّعُ بِهِ الجِهادُ، وقد قال أحمدُ بنُ حنبلٍ: لا أعلمُ شيئًا بعد الفرائِضِ أفضل مِن الجِهادِ، وقد روى هذِهِ المسألة عن أحمد جماعةٌ مِن أصحابِهِ. قال أحمدُ: الّذِين يُقاتِلُون العدُوّ هُم الّذِين يدفعُون عن الإِسلامِ وعن حرِيمِهِم، فأيُّ عملٍ أفضلُ مِنهُ؟ النّاسُ آمِنُون وهُم خائِفُون، قد بذلُوا مُهج أنفُسِهِم. والأحادِيثُ مُتظاهِرةٌ بِذلِك.

والجِهادُ فرضٌ فِي الجُملةِ، والدّلِيلُ على فرضِيّتِهِ قولُهُ عزّ وجلّ: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} ، وقوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ، وقولُهُ - صلى الله عليه وسلم: الجِهادُ ماضٍ مُنذُ بعثنِي اللّهُ إلى أن يُقاتِل آخِرُ أُمّتِي الدّجّال (الصحيحة/ج 4/ 602/ح 1959) . والمُرادُ - واللّهُ أعلمُ - أنّهُ فرضٌ باقٍ؛ لِأنّ المُضِيّ معناهُ النّفاذُ، والنّفاذُ إنّما هُو فِي الفرضِ مِن الأحكامِ، فإِنّ النّدب والإِباحة لا يجِبُ فِيهِما الِامتِثالُ والنّفاذُ.

وقد نُقِل عن ابنِ عبدِ البرِّ أنّ الجِهاد فرضُ كِفايةٍ مع الخوفِ، ونافِلةٌ مع الأمنِ.

والقصدُ مِن الجِهادِ دعوةُ غيرِ المُسلِمِين إلى الإِسلامِ، أو الدُّخُولِ فِي ذِمّةِ المُسلِمِين ودفعِ الجِزيةِ، وجريانُ أحكامِ الإِسلامِ عليهِم، وبِذلِك ينتهِي تعرُّضُهُم لِلمُسلِمِين، واعتِداؤُهُم على بِلادِهِم، ووُقُوفُهُم فِي طرِيقِ نشرِ الدّعوةِ الإِسلامِيّةِ، وينقطِعُ دابِرُ الفسادِ، قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} . وقال عزّ وجلّ: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} . وقد مضت سُنّةُ رسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - وسِيرتُهُ، وسِيرةُ الخُلفاءِ الرّاشِدِين مِن بعدِهِ على جِهادِ الكُفّارِ، وتخيِيرِهِم بين ثلاثةِ أُمُورٍ مُرتّبةٍ وهِي: قبُولُ الدُّخُولِ فِي الإِسلامِ، أو البقاءُ على دِينِهِم مع أداءِ الجِزيةِ، وعقدُ الذِّمّةِ. فإِن لم يقبلُوا، فالقِتالُ. ولا ينطبِقُ هذا على مُشرِكِي العربِ، على تفصِيلٍ وخِلافٍ. (وللمزيد راجع الموسوعة الفقهية/16/ 124)

(2) السِّيرُ جمعُ سِيرةٍ وهِي فِعلةٌ بِكسرِ الفاءِ مِن السِّيرِ. وقد غلبت فِي لِسانِ الفُقهاءِ على الطّرائِقِ المأمُورِ بِها فِي غزوِ الكُفّارِ، وما يتعلّقُ بِها، كغلبةِ لفظِ (المناسِكِ) على أُمُورِ الحجِّ. وقد سُمِّيت المغازِي سِيرًا؛ لِأنّ أوّل أُمُورِها السّيرُ إلى العدُوِّ، والمُرادُ بِها سيرُ الإِمامِ ومُعاملاتُهُ مع الغُزاةِ، والأنصارِ، ومنعُ العُداةِ والكُفّارِ. (وللمزيد راجع الموسوعة الفقهية/16/ 124)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت